يٌقال: إن الإنسان موقف، وإن قدرة المرء على تحديد موقفه الذي يعكس قناعاته الراسخة، غير القابلة للتغيير أمر مهم بحد ذاته، ولكن الأهم منه هو القدرة على الثبات على هذا الموقف، وعدم الحياد عنه تحت تأثير أي ظرف أو ضغط، مهما كان قويا أو طاغيا.

ومن الطبيعي أن يتفاوت البشر في قدرتهم على تحديد مواقفهم تجاه ما يعرض لهم من أمور خلال مشوار حياتهم الشخصية والعملية. كما أنهم يتفاوتون في مقدار تمسكهم بالمواقف المصيرية التي يتخذونها، وفي الآراء التي يتبنونها، فتكون ثابتة راسخة عند بعضهم، وهشة متزعزعة عند آخرين.

وعلى مرّ العصور، يمكننا أن نجد أمثلة على هذين النمطين من البشر المختلفين من حيث شدة تمسكهم بمواقفهم، وإدراكهم لأهمية ذلك، وللآثار المترتبة عليه.

وتحمل جعبة التراث العربي الأدبي والتاريخي أمثلة كثيرة على كل منهما، كما تذكر بعض المراجع الأدبية -على سبيل المثال- أن البحتري، الشاعر العباسي المعروف، كان «قليل الوفاء، متقلب الهوى»، لا يتردد في تغيير موقفه بحسب تغير الدول والمصالح، فيميل مع مصلحته .

حيث تميل موازين القوى، وكان من اليسير عليه أن يمدح شخصا سبق له أن هجاه أو العكس، دون أن يرى في ذلك غضاضة، ودون أن يشعر بأي حرج. ورغم وجود هذه الخصلة المعيبة فيه، إلا أن أحدا لا يستطيع أن ينكر شعرية البحتري، والموهبة الأصيلة التي امتلكها، وأثرى بها ديوان الشعر العربي منذ ذلك الوقت حتى هذا اليوم.

وبغض النظر عن مدى صحة هذا الزعم، وعن تضارب الأقوال حوله، إلا أن له دلالة مهمة، وهي إشارته إلى إمكانية وجود مثل هذه النفسيات ليس فقط بين عوامّ الناس، بل حتى بين أرهف الناس إحساسا، وأشدهم تفاعلاً مع المحيط الخارجي؛ فهذا هو البحتري، لم تنفعه شاعريته في التحرر من صفة غريزية في النفس البشرية.

وهي حب الذات حدّ الأنانية، والتنكر للآخرين المحيطين مهما كانت درجة قرابتهم، والتنكر للمصلحة العامة، في سبيل الوصول إلى ما يحقق مطامح الذات، بغض النظر عن شرعية السلوكيات المتخذة في هذا السبيل.

والذي يقلّب نظره في هذا الزمان يمينا أو شمالاً على نحو سريع سيكتشف سريعا أن البحاتر ـ نسبة إلى البحتري، وليس بحسب معناها المعجمي- حولنا كثر، وكأنهم مستَنسخون عن شاعرنا العظيم، ولكن ليس في شعريته، إنما في قلة وفائه، وتقلب أهوائه.

إن بحاتر هذا العصر المنتشرين حولنا كالجراد لا يضرهم أن يغيروا آراءهم ومواقفهم أمام الناس إن كان في ذلك خدمة لمصلحتهم، حتى إن تضاربت مصلحتهم الشخصية مع مصلحة الجماعة؛ فصورتهم في عيون الناس ليست مهمة، لأن صورتهم في نفوسهم في الأساس لم تكن مهمة عندهم، لذلك نجدهم يلهثون خلف كل موجة تمرّ، ويميلون مع الريح حيث تميل.

ويغيرون اتجاههم بحسب تغير اتجاه الهواء، مستغلّين كل الظروف لإحراز الثروة والغنى، ساعين إلى تجنب الخسائر قدر استطاعتهم، أو على الأقل التقليل منها، غير مدركين أنهم بذلك يخسرون أهم شيء، وهو احترام الآخرين لهم، ونظرتهم إليهم.

ولعله من نافل القول ان من حق كل إنسان أن يغير موقفه حتى من النقيض إلى النقيض متى ما تكشفت له أسباب وحقائق لم يكن يعرفها من قبل، أو ظهرت له معلومات لم تكن متوافرة سابقا إبان اتخاذه موقفا ما من قضية أو شخص.

ولكن أن يغير الإنسان رأيه وموقفه رغبة أو رهبة، أو حتى توخيا لراحة البال وهدوء الأعصاب فهذا يجرده من صفاته الإنسانية، ويحيله إلى شيطان أخرس، لأنه بذلك يمارس شكلاً من أشكال السكوت عن الحق.

ويمكن أن نجد عذرا لكثير من الشياطين الخرس الذين لا يدركون أنهم كذلك، ممن يتصرفون إما بجهل أو بحسن نية مفرط تجاه القضايا المصيرية، بعد أن يخضعوا لتأثير أطراف أخرى تعمل جاهدة بمكر وبهدوء لإعادة تشكيل آراء الآخرين وقناعاتهم.

وتجنيدهم في صفوفهم دون أن يعوا حقيقة ما هم فيه. أما الآخرون، الذين يمارسون دورهم -بوصفهم شياطين خرسا- عن سابق إصرار وترصد فلا يستطيع المرء أن يجد لهم عذرا مهما حاول.

ومما يؤسف له أن الحياة حولنا مليئة بمثل هذه النماذج، ولكن الذي يؤسف له أكثر هو أن نسبة غير قليلة من مثل هذه السلوكيات تحدث في بيئات أغلب أفرادها من المثقفين والمتعلمين تعليما عاليا، وكأن الإنسان -ليس كل إنسان بطبيعة الحال- كلما ارتقى في العلم درجات هبط في الأخلاق درجات تماثلها، أو تزيد.

والذي لا يملك المرء إلا أن يعجب له هو أن هذا النوع من البشر، أصحاب المواقف الملونة، والأهواء المتقلبة، هم أكثر المتشدقين بأهمية الثبات على المواقف.

وعلى أن قيمة الإنسان ومعدنه يُعرفان من خلال مواقفه، ومن خلال حرصه على المصلحة العامة، وعلى الدور الذي يقدمه في سبيل تحقيقها حتى إن كان ذلك على حساب المصلحة الشخصية، وكأنهم بذلك يدافعون عن أنفسهم، أو يحاولون درء الشكوك التي تخترقهم وتكشف أقنعتهم في نظرات المحيطين، المدركين لأساليبهم وأهدافهم.

والواعين لما تحمله رسائلهم المختلفة من معانٍ، بعضها ظاهر يوهم بحرصهم على المصلحة العامة، والآخر باطن، خفي الدلالة على أهدافهم ونواياهم الحقيقية.

إن الإنسان الحقيقي هو الذي يتبنى موقفا واضحا، ويدافع عنه، مهما كان رأي المحيطين به، ومهما كان البون شاسعا بين رغبته ورغباتهم، ودون أن نحكم على أي طرف بأي حكم أخلاقي أو قيمي، يظل الإنسان الحقيقي الذي يستحق صفة الإنسانية هو ذلك الذي لا يقبل بالمساومة في أمور تمس قناعاته.

ولا يستجيب لأساليب ليّ الحقائق التي تكثر ممارستها في بعض الظروف والأحيان، ويعرف كيف يصون نفسه عن الانزلاق في طريق لا رجعة بعده، في زمن طرقه مليئة بالعراقيل والمزالق والحفر.

sunono@yahoo.com

جامعة الإمارات