قد يجوز لواشنطن الذهاب إلى ما شاءت في ادعائها بوجود خلافات محدودة أو جوهرية مع هذا النظام أو ذاك في هذه الدولة أو تلك. انتشار المصالح الأميركية بشكل ظاهر أو مستتر على مساحة واسعة من الخريطة الدولية، واحتمال معاكسة نظم بعينها لتدفق هذه المصالح لسبب أو آخر، يسوغان مناقشة هذا الادعاء ومحاولة بيان نصيبه من الصحة والأحقية أو التنطع والتلفيق.

ويسوغ مثل هذه المناقشة أيضاً الأطروحة النظرية التي تؤكد أن اتساع دائرة مصالح قوة ما في المنظومة الدولية، تفضي حتماً إلى زيادة فرص تفاعلها وربما اشتباكها واحترابها مع أطرف أخرى. وهو ما ينطبق تماماً على حالة الولايات المتحدة.

إذا أضفنا إلى هذه التعميمات ما بات معلوماً للجميع حول اعتناق نخبة الحكم والسياسة الأميركية في عهد المحافظين الجدد بزعامة جورج بوش الابن ونائبه ديك تشيني، لأفكار رؤيوية ورسالية ومعايير خاصة بهم حول القوى الخيرة والشريرة في هذا العالم الفسيح، أيقنا بأن نشوب النزاعات بين واشنطن وبين النظم التي لا تستهويها هذه الأفكار والمعايير أمر لا مفر منه.

غير أن ما لا يجوز ولا يمكن قبوله والدفاع عنه هو توجه واشنطن، نخبتها الحاكمة بالذات، إلى إضفاء صبغة دولية على منازعاتها أو عداواتها مع هذا النظام أو ذاك.

ويفهم هذا التوجه الأهوج من لجوء المسؤولين الأميركيين إلى تصوير معظم سياسات الممانعة أو المقاومة التي تبديها بعض النظم والعواصم لإملاءات واشنطن واشتراطاتها بخصوص قضايا خلافية معها، على أنها مخالفة لإرادة المجتمع الدولي بقضه وقضيضه.

فهؤلاء المسؤولون، الجوالون في عواصم الدنيا على مدار الساعة، لا يملون من ترديد الحديث عن: البرنامج النووي الإيراني الذي يضع طهران في مواجهة «الأسرة الدولية»، والاستحقاقات المطلوبة من دمشق في الملفين العراقي واللبناني استجابة «للرغبات الدولية»، والتهديدات التي تنطوي عليها سياسات بيونج يانج النووية بالنسبة للسلم والأمن «الدوليين».

والشروط المطلوبة من حركة حماس كي يقبلها «المجتمع الدولي» شريكاً في عملية التسوية الإسرائيلية الفلسطينية (بالمناسبة أين هي هذه العملية أصلاً ؟). إجمالاً هناك ما يؤشر إلى أن واشنطن تستدرج الخلق كلهم إلى معاداة من تعاديه أو تتربص به أو تقصد النيل منه.

وهي في معظم الحالات لا تنتظر آراء أعضاء المجتمع الدولي في سلوكيات أو سياسات الطرف المراد عولمة أو تدويل خلافها معه. كما أنها تنحو إلى تجاهل هذه الآراء، لاسيما حين تستيقن من معارضتها لتوجهاتها وسياساتها 00 بل وتبذل جهودا وتمارس ضغوطاً لأجل تطويع مواقف هؤلاء المعارضين حتى ينخرطوا في صف الموالين لها.

مثل هذه المقاربة تشى بحجم غرور القوة وتضخم الذات الذي يتلبس العقل السياسي للإدارة الأميركية الراهنة وهي تتعامل مع الآخرين. ولا يتزيد في القول والتفسير من يصف هذه المقاربة بأنها اختطاف لإرادة هؤلاء الآخرين تحت شعار فضفاض هو «المجتمع الدولي».

والحق أن أحداً في هذا الكون لا يسعه الزعم بان إدارة بوش لديها بالمفهومين المادي والمعنوي الأخلاقي صكاً بالوصاية على إرادة هذا المجتمع ولا تصريحاً بتمثيله والتحدث بالإنابة عنه.

فمشكلات هذه الإدارة مع طرف أو آخر تخصها وحدها .. وإن كان لبعض هذه المشكلات من مفاعيل أو تداعيات تتصل بأطراف أخرى، فإنها غالباً ما تكون من تجليات السلوك الأميركي ذاته، الذي يعمد إلى توزيع نطاقات القضايا ونقلها من سياقاتها الثنائية إلى المجالات الإقليمية والدولية، إعمالا لأجندة خاصة بمصالح واشنطن أو مصالح وأهواء حلفائها ومحازبيها.

وبين ما يسترعى الانتباه أن واشنطن تلجأ أحيانا إلى عكس هذا التوجه. بمعنى أنها تضطلع بسحب ملفات بعض القضايا من التداول والتدويل أو العولمة وتطفئ الأضواء حولها ، إذا ما آنست لها مصلحة في ذلك.

فهي مثلاً، أقامت الدنيا ضد الجارين اللدودين الهند والباكستان حين شرعا في إظهار قدراتهما من الأسلحة النووية، مثيرة ضرورة الامتثال للإرادة الدولية في عدم انتشار وحيازة هذه الأسلحة. ثم إنها ابتلعت لسانها ودبلوماسيتها التحريضية وأغمدت سيف عقوباتها بحق الدولتين، عندما استشعرت حاجتها إليهما في وقت لاحق. واليوم كدنا ننسى هذه القضية تماماً.

حدث هذا التحول الانقلابي في وقت غير بعيد عن إصرار واشنطن على تدمير أسلحة نظام صدام حسين التي ابتدعها خيال جماعة المحافظين الجدد واللوبي الصهيوني وإسرائيل. وذلك بحسب التوجه الأميركي «إنقاذاً لجيران العراق والعالم من خطر هذه الأسلحة».. وفي هذه المرة، جرت محاولة لتدويل القضية رغم أنف المجتمع الدولي.

إذ لم تعبأ واشنطن بمواقف الأمم المتحدة الممثل الشرعي الأول لهذا المجتمع ، وذهبت وقليل من أتباعها إلى حربها على العراق ، بكل نتائجها المأساوية الدامية التي نسمع ونرى.

لا ندرى إذا كان سعى واشنطن إلى الولاية على أعضاء المجتمع الدولي، وتبصيرهم بما ينبغي ولا ينبغي من توجهات وسير وسلوك ، هو الطبعة الحديثة والمنقحة من فكرة «عبء الرجل الأبيض» التي شاعت بين يدي عهد التوسع الاستعماري الأوروبي.

الأمر يحمل هذه الشبهة. لكننا على يقين بأن ما يشغل واشنطن وبعض المتذيلين لها ليس هو بالضبط ما يهم بقية أعضاء المجتمع الدولي ويقض مضاجعهم.

لنتصور جدلاً بأن واشنطن كفت يدها وتحرشها الدبلوماسي والإعلامي الدعائي والعسكري عن مناكفة نظم طهران ودمشق ورام الله ، ترى هل يبقى مستوى الاهتمام الدولي بسياسات هذه النظم على حاله؟.

ان سياسات واشنطن هي المسؤولة عن إبقاء بعض الملفات الإقليمية والدولية ساخنة ومفتوحة ، وجرجرة الناس أجمعين إلى وضعها قسراً على أجنداتهم. فليس صحيحا مثلاً ، أن المجتمع الدولي كله يقف في وجه حماس..موسكو وبكين وعواصم العالمين العربي والإسلامي وأميركا اللاتينية لا تشاطر واشنطن رأيها في حماس. وقل مثل ذلك عن الملفين الأميركي الإيراني و الأميركي السوري .

وقبل هذا وبعده ، لم يعط المجتمع الدولي تفويضاً لواشنطن ولندن يوم قوضتا العراق على رؤوس أهله ، ولا هو يشاركها الرأي والسياسة حرفياً فيما يتعلق بحربها على الإرهاب.

وفى كل الأحوال، أليس من السخرية بمكان أن تتجرأ الإدارة الأميركية على التحدث باسم المجتمع الدولي برمته ، فيما هي وتصرفاتها موضع سخط أكثر من 60 في المئة من مواطنيها الأقحاح؟

كاتب وأكاديمي فلسطيني