ها نحن أمام السيناريو نفسه مرّة أخرى. الإدارة تتحدث عن «تغيير النظام». التحذيرات تتوالى بشأن الخطر الذي يشكله رجل متشدد يقود بلداً غنياً بالنفط. تقديرات استخبارية مقلقة يتم تسريبها بشأن برامج أسلحة نووية.

نائب الرئيس الأميركي ديك تشيني يحذر من «عواقب هائلة» اذا تواصلت المساعي المزعومة لتطوير أسلحة نووية. الرئيس جورج بوش يشعر، كما يقال، بأن الغزو رسالته الآن. المحافظون الجدد يدعون إلى العمل العسكري.

أزلام الإدارة يعبرون عن ازدرائهم للدبلوماسية والمراقبة الدولية. وزارة الدفاع لا تطور خطط طوارئ، لهجوم متوقع فحسب، بل تقوم بغارات قصف وهمية لقياس قدرات الدفاع الجوي لدى العدو. ويقال أيضاً إن هناك بالفعل تحركات عسكرية سرية على الأرض.

كلا، هذا ليس سرداً لما حدث خلال حملة التحضير لغزو العراق في 2002، بل هذه تقارير تخص حملة قرع الطبول التي تقوم بها الإدارة بشأن إيران وحكومتها الإسلامية.

مع تصاعد حدة العنف في أفغانستان، وتصاعد الحرب الأهلية في العراق فإن من المنافي للعقل أن تفكر الإدارة بحرب اختيارية أخرى في منطقة الخليج. لكن كل العلامات تشير إلى ذلك الاتجاه.

تمتلك إيران النفط والغاز بكميات كبيرة جداً ولديها ثاني أكبر احتياطي بعد السعودية، وهي تسيطر على مضائق الخليج، التي يعبر منها 40 في المئة من نفط العالم كل يوم. ويرأسها شخص متشدد يتعهد بأن إسرائيل ستزول من الخارطة. ولابد هنا من الإقرار بأن إيران تملك بالفعل برنامج طاقة نووية قيد التطوير، ويعتقد مراقبون كثر أنها عازمة على بناء أسلحة نووية.

لكن كل ما يثار في هذا الشأن الآن ربما يكون متعلقاً بالولايات المتحدة نفسها أكثر من إيران. فشعبية الرئيس بوش في استطلاعات الرأي متدنية إلى مستويات قياسية الآن مثلما كانت في 2002.

والجمهوريون يواجهون سنة انتخابات عصيبة. ولقد تعهد كارل روف ان يجعل من الحرب على الإرهاب قضية حزبية لاستغلالها في الانتخابات. ومن المؤكد أنها لم تكن مصادفة أن يتحول البيت الأبيض للتسخين ضد إيران الآن، تماماً كما فعل ضد العراق قبل انتخابات 2002.

ولذلك فإن تحضيرات البيت الأبيض في هذا السياق تنذر بالشؤم. فبوش قال إنه لا يمكن القبول بقنبلة نووية إيرانية، والبيت الأبيض يصرح مراراً وتكراراً انه لا يرى أي أمل بالتوصل إلى حل دبلوماسي. وبإرسال جنود أميركيين في مهام استطلاع في إيران وطائرات أميركية لشن غارات وهمية، فإن ما يفعله البيت الأبيض عملياً هو إيصال رسالة إلى إيران وبقية العالم مفادها اننا مستعدون لضرب إيران إذا واصلت العمل على برنامجها.

وبرغم التحفظات من قيادة الأركان المشتركة، فإن البيت الأبيض، كما يقول سيمورهيرش في مجلة نيويوركر، يفكر في استخدام الأسلحة النووية لتدمير منشآت إيرانية تحت الأرض ربما تكون جزءاً من برنامج التسلح.

هل يعقل أن رئيساً يرى نفسه في مهمة مقدسة لم يتعلّم أي درس من الكارثة في العراق. هل تذكرون ما قالته الإدارة قبل الحرب من أن العراقيين سيستقبلون جنودنا استقبال «المحررين»؟

والآن، بحسب مقاول لم يذكر اسمه في مقالة هيرش، فإن البيت الأبيض يعتقد، كما يقال، بأن القصف سيثير الناس ضد النظام الإيراني مع أن ذلك يتعارض مع كل تجارب القصف الجوي، منذ اختراع الطائرة إلى الآن.

والسؤال الآن هو ما اذا كان الكونغرس والشعب الأميركي سينجرفان مع التيار مرة أخرى، أم سينهضان ويدعوان الإدارة للمساءلة.

لقد حان الوقت للجمهوريين لكي يضعوا تعصبهم الحزبي جانباً.

ويعقدوا جلسات استماع ـ مفتوحة وعلنية ـ لاستكشاف طبيعة التهديد الذي تشكله إيران، والبرامج التي تعكف عليها إدارة بوش والتقديرات الاستخبارية، هنا وفي أماكن أخرى، وما تقوله هذه التقديرات حقاً، لا ينبغي أن نسمح لهم بدفعنا إلى حرب أخرى في منطقة الخليج، وجلسات الاستماع في الكونغرس تعتبر اجراء حيوياً لاستكشاف ما بدأت الإدارة بالقيام به فعلياً فيما يتصل بإيران.

تفيد تقارير بأن البيت الأبيض يطلع أعضاء مختارين من المجلس التشريعي على خططه وطريقة تفكيره حيال إيران.. وهؤلاء هم نفس الأعضاء المختارين الذين هللوا للحرب في العراق.

وبطبيعة الحال فإن البيت الأبيض لا يريد إجراء جلسات استماع مفتوحة لأنه لا يريد إطلاع الأقلية الديمقراطية على ما يجري ناهيك عن بقية الشعب الأميركي، ويعتقد الرئيس بوش انه يملك السلطة المطلقة لشن الحرب التي يختارها من دون موافقة الكونغرس أو تفويض من الأمم المتحدة ومن دون وجود تهديد وشيك يستوجب الحرب.

لابد لهذه الإدارة ان تفهم بطريقة أو بأخرى بأن القنابل لا تبني الديمقراطية والاحترام، بل إنها تدمر الأمل وتغذي الكراهية، ومن شأن حرب أخرى ان تزعزع الاستقرار أكثر في منطقة الخليج وتساهم في نشر الإرهاب. ولن تجد أميركا الدعم إلا من قبل بضعة حلفاء، ان وجدوا، وسوف تواجه معارضة من الصين وروسيا بشكل فعلي وإن لم يكن بشكل مباشر.

نحن بحاجة إلى دبلوماسية دولية، وليس إلى قنابل أحادية تهوي باتجاه إيران، نحن بحاجة إلى خطة متناغمة للاستقلال في الطاقة وتقليص اعتمادنا على النفط الأجنبي، نحن بحاجة لإشراك أمم العالم في تحالف كبير ضد الإرهابيين ـ بدل ان نعزل أميركا كدولة مارقة. لقد حان الوقت ان يتحرك الكونغرس بشجاعة وفي الوقت المناسب قبل ان تطلق الإدارة العنان لحرب أخرى قبل انتخابات الخريف المقبل.

خدمة: لوس انجلوس تايمز

خاص لـ «البيان»