لم يكن فوز حماس بالانتخابات وصعودها عنوة إلى صهوة الجواد الفلسطيني مجرد خبط عشواء، فالناس في الأراضي المحتلة ضاقوا بالازدواجية التي يعيشونها، بيوت تضحي بالشهداء وتبيت على الطوي وقصور باذخة تقام على شاطئ بحر غزة لمناضلين سابقين قلبوا نشاطهم إلى نوع من البيزنس مع المحتل ونسوا القضية.
لم تكن حكايات الفساد المالي التي استعصت على الإنكار ولا حكايات كازينو أريحا الذي تتوجه إليه العاهرات اليهوديات بهوية أصدرها لهم الأمن الوقائي تمر مرور الكرام، فالجماهير الفلسطينية انتظرت لحظة المحاسبة واختارت أناسا ظنتهم طاهري الأيدي ومبرأي الضمير مما يجري.
مشكلة حماس كما أجاد في توصيفها محمد حسنين هيكل أنها فازت فوزاً مشرفاً في لحظة عربية غير مشرفة، فالنضال الصوتي الذي ينبعث من هنا أو هناك لا يخفي حقيقة أن العالم العربي اختار الانبطاح والتسليم للغازي بغزوه وللمحتل باحتلاله وغنائمه وأخرج الأوطان المحتلة وما يجري فيها من دائرة اهتمامه المباشر اللهم إلا حرجاً في بعض اللحظات من ظهور العورات.
ولم يكن مفاجئا أن ينعم قسم كبير من العالم العربي بكثير من الرغد فيما يوشك الجوع أن يفتك بالبيوت التي اختارت معظمها أن تقدم شهيدا أو شهيدين تكحل بهما عين فلسطين وتطلي بهما واجهة بيت عربي متداع ينتظر دابة الأرض تأكل منسأته، لم يكن مفاجئا حتى أن تحضر الأموال بعد لأي وتغيب الهمم، فيجري حجز المال في القاهرة .
وتجبن البنوك والحكومات عن إيجاد وسيلة تتحقق بها مروءتنا ويكمل بها إيماننا (والله لا يؤمن والله لا يؤمن والله لا يؤمن من بات شبعاناً وجاره جوعان ـ حديث شريف).
وإذا كان هناك جان في الأزمة الأخيرة التي عصفت بالبيت الفلسطيني وهددت بتحويل رفقاء النضال إلى متقاتلين في حرب أهلية، فهي كثير من العواصم العربية .
وليست فتح ولا حماس، ففتح بمؤسساتها والرئيس أبو مازن بما يملكه من صلاحيات اختارا الانحناء لصوت الشعب رغم الضغوط والمماحكات والحصار الدولي، لكن هناك في العواصم المحيطة من يخشى إن نجحت حماس أن يتكشف تواطؤه وتفريطه.
وآخرون يخشون أن تصبح حماس نموذجا يحتذى في السلطة كما في المعارضة فينتفض الناس ويصوتوا للإسلاميين، وقسم ثالث يصيبه الرعب، إذا اتصل أصغر موظف في السفارة الأميركية كي يملي التعليمات بسد الأبواب والنوافذ أمام أي اتصال أو أي زيارة لوزير فلسطيني من حكومة مغضوب عليها.
كان طبيعيا أن تلجأ أطراف عربية إلى تحريض السلطة القديمة على السلطة الجديدة باسم الخوف على المصلحة الوطنية الفلسطينية ولغاية في نفس يعقوب لكن المصالح الوطنية بريئة منهم، ومما يتناجون به ويخشون التحدث به علنا خوفا من بطش جماهيرهم وتجريسها لهم.
الحالة الفلسطينية بأكملها ( بشرفاء فتح ومخلصي حماس ) حالة غير ملائمة للمحيط العربي، فهي حالة مقاومة في زمن انبطاح، وحالة جوع نبيل في زمن تخمة تصيب أصحابها بالغفلة.
وحالة إيمان في زمن يعم فيه الشرك، فمقاليد الأمور بنظر قسم من القيادات العربية وبطاناتها ليست بيد الله وحده، وإنما بيد البيت الأبيض ووكالة المخابرات المركزية.
حتما سيتجاوز الفلسطينيون جوعهم واحتلالهم واختلافاتهم البينية طال الزمن أم قصر، وسيعود الذين (يقولون إن بيوتنا عورة) بالخزي وسوء المنقلب، وحينئذ لن يغني البيت الأبيض شيئاً.