تكتشف الأمم نفسها، وتظهر أفضل ما لديها وهي تتحرك على مسارات التاريخ، تعمل إرادتها فيه. وفي المقابل فإنها تغيب عن وعيها، وتفقد أعمق خصالها، عندما تبطأ حركتها أو تصل إلى حد الركود، إذ يعوزها الشعور بالشخصية الجماعية التي بها تتحرر من العجز، وتمتلك المصير.

وظني أن مصر بعد ربع القرن من إبطاء الحركة، قد وصلت إلى حد الركود، وبدأت تعاني بعض أعراضه الجانبية، وعلى رأسها تأتي ظاهرة الفتنة الطائفية التي تفجرت مؤخرا بمدينة الاسكندرية.

فلم تكد مصر تعرف هذه الظاهرة اللهم منذ أوائل الثمانينات وخاصة في المناطق العشوائية بالقاهرة الكبرى حيث يشيع الفقر، وتنسد أفق الحياة، ويغيب الأمل، أو في جنوب الصعيد حيث يشيع الجهل، وتتحكم التقاليد البالية وخاصة عادة الثأر.

ولم تكد مدينة كالاسكندرية تعرفها إلا العام الماضي، وكان ذلك أمرا طبيعيا، فالمدينة التي عرفت التسامح طيلة تاريخها يصعب أن تستسلم للتعصب، والمكان الذي استوعب كل الأجناس تقريبا من يونان وطليان وفرنسيين وإنجليز ويهود.

وأرمن وغيرهم ناهيك عن المصريين، يصعب عليه أن يضيق بأهله سواء من المسلمين، أومن الأقباط الذين ظلوا يجسدون استمرارا تاريخيا لمرحلة فلسفية ونهضة فكرية ونكهة دينية خاصة لهذه المدينة بالذات منذ دخلتها المسيحية في القرن الأول الميلادي على يدي القديس مرقص أحد حواري المسيح عليه السلام، لتتخصب على أرضها بحكمة مصر والشرق الأدنى القيم الأخلاقية والروحية والعملية التي كانت قد غذت العقلية اليونانية .

ومكنتها من أن تفرز نظاما نظريا متكاملا للحكمة الفلسفية، استطاعت مصر البطلمية ثم الرومانية من خلال المدرسة السكندرية إعادة توظيفه في إطار سعيها الرائد للتوفيق بين العقل والإيمان، لصالح الإيمان المسيحي، كما استطاعت الثقافة العربية الإسلامية استيعابه وإخضاع مذهبه في الربوبية، لإلهام العقيدة الإسلامية في التوحيد المطلق.

ويذكر أن فيلسوفا يهوديا هو «سعديا يوسف» نشأ في الفيوم بمصر في القرن العاشر الميلادي وتنقل بين الاسكندرية وبغداد والقدس قد تتبع مساجلات علماء الكلام وخاصة المعتزلة، مع الفلاسفة المسلمين محاولا تطبيقها على الديانة اليهودية فألف في ذلك كتابه «الإيمان والعقل» في الموضوعات الأساسية لعلم الكلام كالخلق والتوحيد والوحي والقضاء والقدر والثواب والعقاب وغيرها.

كما ان الفيلسوف اليهودي ابن جبيرول الذي عاش في القرن الحادي عشر الميلادي وقام بترجمة مذهب أفلوطين في الربوبية، ظلت هويته ملتبسة لنحو سبعة قرون يحسبه بعض المفكرين الأوروبيين من فلاسفة المسيحية.

وبعضهم الآخر ينسبه إلى فلاسفة الإسلام لتشابه آرائه «العقلانية» مع الأصل الواحد للأديان السماوية، حتى كشف مستشرق يهودي آخر هو «سلمون مونك» عن هوية إبن جبيرول اليهودية.

وفى كل تلك المراحل كانت الاسكندرية شاهدة على الحوار بين الثقافات، وكان طبيعيا أن لا تعرف التعصب طيلة تاريخها، مثلما صار غريبا أن تشهد الفتنة الطائفية في حاضرها.. ما يثير السؤال: لماذا؟

وربما كانت هناك دوافع مباشرة ومتباينة أثارها كثيرون وتحتمل الصدق، غير أن تفسيرا بعيدا يكمن وراء ربما كان، في اعتقادي، هو الأكثر معقولية يتعلق بحالة الركود التي تعيشها الحياة السياسية المصرية.

وأزمة الثقة التي ولدت ونمت بين الساحة السياسية وبين المجتمع الذي صار مدركا لعجز الدولة عن إلهامه وتوجيهه، ومن ثم يحاول إعادة ترتيب حياته من دونها، فكان عليه ان يعالج نفسه بنفسه، وان يعيش أزماته تطحنه أو يطحنها.

وفي مثل تلك المراحل التي تنزوي فيها الدولة كإطار يستوعب حياة الناس ويلهمهم حس إتجاه نحو المستقبل، تبدأ بدائلها في الظهور لتسد حاجات الناس، ومن هنا فإن النعرات الجهوية والإثنية والدينية .

وربما القبائلية لا بد وأن تتصدر الساحة باعتبارها تجسيدا للانقسامات المجتمعية البدائية والتي تصير هي الانقسامات الأبرز التي تتصارع وحداتها لوراثة دور الوحدة الكبرى أو اللحمة الوطنية.

ولعل الأمر المشهود في العقدين الماضيين هو تحول الكنيسة، والمسجد في مصر من مجرد دور للعبادة تشهد ممارسة لطقس روحي ديني، إلى مجمعات متكاملة تقدم خدمات دنيوية متعددة لفقراء الجانبين.

حيث صارت المساجد والكنائس بديلا عمليا للمستشفيات والعيادات الصحية، وكذلك لتجمعات الدروس الخصوصية بعد فشل المدرسة في تقديم خدمة تعليمية جيدة وتفشي مافيا الدروس الخصوصية، وأيضا أماكن لإقامة المآتم وأخذ العزاء، أو للاحتفال بعقد القران وطقوس الزواج المحدودة.

كما صارت الكنيسة والمسجد يضطلعان بدور اجتماعي واضح في حياة أعضائهما من خلال تنظيم رحلات ترفيهية، أو معسكرات رياضية، أو حلقات دعوة وتوعية دينية في مناطق بعيدة عن مكان الإقامة.

وما من شك في ان هذا الدور المتعاظم للمسجد والكنيسة، مع ضمور دور الأحزاب السياسية، وضعف بنائي لدور المنظمات الأهلية، وهيئات المجتمع المدني، وفي ظل تراجع دور الدولة الرسمي، إنما يزيد من سيطرتهما على مقدرات الإنسان العادي.

ويمنحهما دورا أكبر في تشكيله حيث تمثل الجرعة الدينية أو الطائفية مقوما أكثر كثافة في تركيب الهوية الفردية على حساب القيم الوطنية العامة التي طالما مثلت إطارا جامعا للانتماء والهوية.

وبوتقة صهر مشترك لعناصر المجتمع المصري في أغلب مراحل تاريخه التي كان يستشعر في بعضها وجود تحديات خارجية كبرى تستفز همته لمواجهتها.

وفي بعضها الآخر قدرة الدولة على تبنى أهداف كبرى سواء في تحديثه وزيادة رفاهيته ومن ثم قدرته على الإمساك بمصيره، أو في تأكيد دور مصر الإقليمي ومن ثم قدرتها على التأثير في محيطها وعالمها، ما كان يصوغ، في المجمل، مشروعا وطنيا يستحق الحياة من أجله والاندماج فيه.

ويمنع التشرذم والتفتت الناجمين عن غياب حس الاتجاه إلى المستقبل، والذي يعاني منه المصريون الآن ويثير لديهم الغضب والتعصب، حتى في مدينة التسامح على الشاطئ الأبيض المتوسط.

كاتب مصري