منذ ان نشر فرانسيس فوكوياما كتابه الجديد «ما بعد المحافظية الجديدة»، منذ عدة اسابيع، والتحليلات لا تتوقف خاصة في العالم العربي حول افول المحافظين الجدد وتيارهم. والأمر الذي لاشك فيه ان هذا التيار يتراجع نفوذه داخل الولايات المتحدة الأميركية ليس بسبب كتاب فوكوياما وتحليلاته،

وإنما لأن أفكار هذا التيار اتضح بعد تطبيق بعض منها انها تختلف وتتصادم مع سياق الثقافة السياسية الأميركية. وقبل كتاب فوكوياما بعدة اشهر ووزيرة الخارجية الأميركية، وهي من صقور الحزب الجمهوري وتياره الاكثر تشددا لكنها لاتنتمى الى المحافظين الجدد، تقوم بعملية تطهير الوزارة من رموز هذا التيار، وهو ما تم في أكثر من قطاع من قطاعات الادارة الأميركية،

وهو الأمر الذي يعني من دون مواربة ان دورهم التنفيذي قد تراجع ولم تعد لديهم نفس المميزات السابقة الخاصة بدورهم في عمليات تخطيط ورسم السياسات الأميركية. ولكن كل ذلك شيء وما يذكر عن تراجع التيار بكامله شيء اخر، فهناك مؤشرات مهمة تقول بعكس ما تطرحه التحليلات التي سبق لنا الإشارة إليها.

فمن جهة فإن تيار المحافظين الجدد استطاع خلال الفترة الاولى من ولايه الرئيس بوش ان يفرض جدول اعماله على السياسة الأميركية من خلال القوانين التي تم سنها والاستراتيجيات التي تم تبنيها، ومواقف أخرى تم اتخاذها على الارض، احد ابرز ملامحها الحروب التي خاضتها الولايات المتحدة في كل من العراق وأفغانستان.

والخروج من هذة الحالة السياسية يتطلب فترة طويلة من الوقت، وهذا الامر يعني ان سياسات المحافظين الجدد سوف تظل منفذة في الولايات المتحدة لفترة ليست قصيرة. ومن جهة ثانية فإن واحداً من ابرز اسباب تراجع قوة هذا التيار هو ان الحزب الجمهوري وقياداته المتنفذة،

وبسبب الانتقادات الشعبية الحادة التي توجه حاليا للرئيس بوش ومجمل سياساته، ارادوا ان يستعيدوا بعضا من الشعبية المفقودة قبل اجراء انتخابات التجديد للكونغرس وذلك بالتخلص من بعض رموز المحافظين الجدد، علّ ذلك يفيد في تحقيق الهدف المطلوب،

وبالتالي فإن الخطوات الحالية التي تفيد بتراجع التيار يمكن ان تكون تكتيكية وليست اجراءات دائمة، فقد يحتل نفس الذين تم التخلص منهم مناصب كبرى أخرى في وقت لاحق وبالتالي يعودون أكثر قوة ونفوذاً وسيطرة، وهذا أمر ليس بمستبعد في ضوء أسلوب الرئيس بوش في اختيار معاونيه.

ومن جهة ثالثة، فإن تيار المحافظين الجدد ليس مجموعة من الافراد، وإنما هم تيار سياسي كامل الاركان له مؤسساته وآلياته وتوجهاته ووسائل الاعلام المطلوبة لنشر والتعبير عن هذه التوجهات. وهناك العديد من مراكز الابحاث والمبادرات التي تعد الاطار الذي يعبر عن المحافظين الجدد وكل هذه المؤسسات مازالت موجودة والمجلات الفكرية التي تنشر أفكارهم مازالت تصدر،

وهم عادة ما ينجحون في تنشيط جماعات ضغط أي «لوبيات » للدفاع عن قضاياهم على النحو الذي فعلوه بشأن العراق منذ ولاية الرئيس كلينتون وحتى تمت العملية العسكرية وقد نجحوا في ان يكون من بين اعضاء الكونغرس من ينضم اليهم في توجهاتهم.

وحتى هذه اللحظة فإن كافة المؤسسات وآليات مازالت موجودة وتعمل بكفاءة وليس هناك ما يمكن ان يؤكد لنا انهم سوف يرضون بالوضع القائم الذي يشير الى افول نفوذهم، بما يعني انهم سوف يقاوموه بكل ما اوتوا من قوة وخبرة وأدوات. وكل ذلك يعني ان الافول والتراجع هو سيناريو من السيناريوهات وليس قدراً لا فكاك منه على النحو الذي تؤكد تحليلات عربية كثيرة تنطلق من ظاهر الامور وليس عمقها.

ومن جهة رابعة وأخيرة، فإن وجود المحافظين الجدد في مراكز مهمة داخل الادارة الأميركية كان يعود الى سببين؛ الاول انهم تيار بارع في إنتاج الأفكار من خلال مصانع الافكار المتعدد التابعة له،

وهذا الأمر كان يسد فراغا موجوداً بالفعل داخل الحزب الجمهوري بعدما عجز مرشحوه لرئاسة الجمهورية بالفوز بالمنصب لدورتين متتاليتين وكان من الضروري على اركان الحزب الاستعانة بالمحافظين الجدد لسد هذا الفراغ وهو ما ادى بعد ذلك الى الاستعانة بهم في الإدارة الجمهورية.

اما السبب الثاني فهو انهم كانوا في إطار تحالف مع عدد من التيارات السياسية الأخرى في الولايات المتحدة الأميركية ومنهم التيار المتشدد داخل الحزب الجمهوري وأيضا تيار «المسيحية الإنجيلية» وهو تيار ديني يتبنى افكارا دينية تأتي على هوى المحافظين الجدد خاصة مايتعلق منها بالصراع العربي الاسرائيلي.

وأفول نجم تيار المحافظين الجدد سوف يعني انه على اليمين الأميركي ان يبحث عن تحالفات جديدة لكي يضمن استمرار احتفاظه بالأغلبية في الكونغرس واستمرار تولي احد رموزه منصب رئيس الجمهورية في الانتخابات الرئاسية القادمة،

وهذا الأمر يعد من الصعوبة بمكان لأن الفترة المقبلة وفي ظل الظروف القائمة في الولايات المتحدة فإنه لن يمكن عمل نوعية جديدة من التحالفات وإلا ادى ذلك الى خروج اليمين صفر اليدين في الاستحقاقات المقبلة والتفسير الاقرب الى المنطق هو ان التحالف الحالي مازال قائما ولكن تم تهميش قطاع منه هو المحافظين الجدد حتى مرور عاصفة الهجوم الشعبي على الادارة،

وبعدها تعود الأمور إلى ما كانت عليه، ولكن بسياسة اقل استفزازا عما كانت عليه سياسة الإدارة في فترة السيطرة الظاهرة لتيار المحافظين الجدد. وبالتالي لا يمكن القول بأفول هذه الظاهرة السياسية طالما اليمين موجود في سدة الحكم وله الغلبة في الكونغرس ويتولى رئيس جمهوري الرئاسة.

والحديث يمكن ان يكون جادا فقط بعد انتخابات التجديد للكونغرس وعندها نعرف ما اذا كانت الظروف مهيأة لخروج هذا التيار من الادارة غير مأسوف عليه ام انه سيظل جاثما على صدور العالم من شرقه الى غربه.

كاتب مصري