يوم الاثنين الماضي بتاريخ 18/4 وفي وضح النهار وفي عمق تل أبيب وقرب منصة لبيع الوجبات السريعة يرتادها في الغالب عمال أجانب، فجر سامي حمادة وهو يبلغ من العمر 21 عاما نفسه (وذكر فيما بعد أن اسمه سامر حماد وعمره لا يتجاوز 16 عاما). والحصيلة 9 قتلى وأكثر من أربعين جريحا.
ومباشرة تبنت «سرايا القدس» التابعة لحركة الجهاد الإسلامي العملية. بينما كانت القنوات الفضائية العالمية تتابع على الهواء مباشرة صورا حية للحظات التي تلت العملية الفدائية، بينما لم تهدأ صفارات سيارات الإسعاف التي كانت تنقل الجرحى بشكل فوضوي والدماء تسيل على وجوه الضحايا، ورجال الأمن المنتشرون في كل متر مربع في حالة استنفار غير طبيعي،
والأشلاء الممزقة هنا وهناك بشكل عشوائي، والرعب باد على عيون الجميع، وبدت اللقطات التي اعتاد مشاهدو العالم على رؤيتها مباشرة على الهواء بعد كل عملية فدائية تقع ضمن حدود (إسرائيل) وكأنها واحدة من أفلام العنف والجريمة التي تعرضها الأفلام الهوليودية، لتظهر العرب والمسلمين مرة أخرى على أنهم مجرمون وإرهابيون ومتخلفون وقتلة... بينما الشعب اليهودي شعب مسكين مسالم يحمل ضحاياه ويكفكف دموعه و يمسح آلامه منذ عصور بابل!
وليس لدى الرأي العام العالمي الذي يتخبط في أوحال الفقر والجوع والبطالة والبحث عن عمل والزيادة الجنونية للتضخم ومؤشرات الأسهم النازلة والخسائر والفيضانات دقيقة واحدة لإضاعة الوقت في البحث عن الأسباب الحقيقية التي تكمن وراء تقديم الشهداء أنفسهم بتلك البساطة وفي بلد يبعد عنهم آلاف الأميال.
والانطباع الأول الذي تتركه لديهم تلك الصور لا يتعدى الحقيقة الثابتة والتي تظل راسخة في أذهانهم: هناك يهود ذبحوا على يد سفاك إرهابي عربي ومسلم! خاصة وأن العمليات الإجرامية الكبرى التي مارستها سلطات الاحتلال ألـ (إسرائيلي) ضد الفلسطينيين الآمنين أيضا
إما أنها تتم دون أي ضجيج إعلامي ودون السماح لكاميرات القنوات الفضائية العالمية بمتابعتها أو بعد أن تمر عبر مقص الرقيب في تل أبيب مع تعليق بسيط: هذه الإجراءات لا تتعدى حدود الدفاع عن النفس لإيقاف العمليات الهمجية ضد شعب يهوذا.
وفي كل مرة تقع عملية فدائية استشهادية ضد اليهود في العالم تنخفض نسبة التعاطف العالمي مع الفلسطينيين والقضية الفلسطينية (حتى من قبل الدارسين والمهتمين بالقضية الفلسطينية والمطلعين على حقيقة الأمور) وفي الوقت ذاته يزداد التأييد لدولة يهوذا وإرهاب الدولة التي قامت أركانها على أسس دموية صهيونية بحتة.
وهكذا نقع نحن المسلمين والعالم بأسره مرة أخرى فريسة في فخ الإعلام الصهيوني. وندفع نحن ثمن العمليات الاستشهادية المشروعة. مشروعة ولكن بشروط. وهذه الشروط حددها الإسلام بشكل واضح ودقيق لا نقاش فيه فيما يخص مشروعية الدفاع عن النفس في أوقات الحروب.
ومن الشروط العامة التي حددها القرآن وأكدت عليها السنة: عدم التعرض للمدنيين والكبار في السن والنساء والأطفال وعدم التعرض للكنائس والمعابد، بل إن الإسلام شدد على عدم التعرض حتى للأشجار، لأنها تعتبر من الأملاك العامة ومصدر رزق وظل للآخر ولمن يأتي بعده.
وقد اهتم العديد من باحثي الغرب والشرق بدراسة الأسس والنظم التي وضعها الإسلام سواء تلك التي تسبق شن الحروب كاللجوء إلى الحل السلمي والإعلان المسبق للحرب أو أثناء المعركة بدءا من كيفية معاملة الجرحى من الأعداء والمستسلمين منهم والفارين وغيرها من القواعد التي لا نظير لها، أو حتى بعد انتهاء المعارك الحربية فيما يتعلق بمعاملة الأسرى وعدم تهديم مساكنهم والانتقام أو الشماتة وغيرها من الأمور.
ونحن اليوم أمام أمرين: إما أن ننتمي لهذا التراث الإسلامي الراقي ونطبق بالتالي سلوك الإسلام الرائع في حربنا مع العدو، أيا كان شكل تلك الحرب: الحروب المنظمة أو حروب الشوارع، أو أن نتخلى عن قيمنا تلك ونهبط إلى مستوى الممارسات التي تقوم بها دولة إسرائيل
وبالتالي نقارن بها أو حتى أدنى منها في الاعتداء على الأبرياء ممن لا ناقة لهم ولا جمل سوى أنهم ينتمون هكذا إلى طائفة الأعداء لغة أو دينا أو جنسية أو يعيشون على أرضهم. وبالتالي يحق لنا أن نحل دم حتى المسلمين العرب الذين يحملون الجنسية الإسرائيلية أو اليهود أينما كانوا. حيث أن الذي يقوم بتفجير نفسه في مكان عام لا يمكنه أن يفرق بين العدو والصديق.
وهنا تقع خطورة الأمر. فربما كان من بين القتلى الإسرائيليين عرب أو مسلمون أو أجانب لا يقفون في جانب العدو أو حتى يهود ممن يساندون ويدافعون عن حق الفلسطينيين في العيش جنبا إلى جنب مع اليهود أو في إقامة دولتهم المستقلة. وهكذا تبتعد العملية الاستشهادية عن هدفها السامي الذي خططت من أجله.
إن الحرب التكتيكية منذ أن قامت الحروب على الأرض لم تقم على أساس حساب عدد القتلى لدى الطرف الآخر، حيث أن عدد القتلى لا يمثل بأية حال انتصارا. ولكن الهزيمة تكون عندما يتراجع العدو ويعترف من موضع الضعف بانتصار خصمه وهو في مركز القوة. وهذا ما لم تحققه أي عملية استشهادية حتى الآن بسبب سوء الدفاع عنها أو بسبب سوء توقيتها أو بكيفية تنفيذها.
وليس هدف الحرب فقط إسقاط أكبر عدد من القتلى والجرحى من جانب العدو. ولكن هناك عدة طرق أخرى سلمية وتعطي نفس النتيجة الحربية وربما أكثر من ذلك: ونقصد بها الحرب الإعلامية والنفسية والاقتصادية والسياسية وهي كفيلة بأن تدفع العدو للاستسلام دون إراقة قطرة دم واحدة.
إن ما كانت تعانيه إسرائيل من جانب العرب وكان سيعطي ثماره في اللحظة الأخيرة لولا تهاوننا وتفرقنا وعدم اقتناصنا الفرص الذهبية، هي الحرب الاقتصادية: فالمقاطعة كانت هاجس إسرائيل الأول أكثر من أسلحة العالم العربي مجتمعة. ولم ترغب إسرائيل في إقامة علاقات سلام مع العرب إلا لغرض فك أو اختراق ذلك الحصار.
وهذا ما لم نستطع استغلاله حتى الآن رغم علمنا المسبق بفشلنا في الحروب الميدانية مع إسرائيل المتفوقة عسكريا والمدعومة من أكبر القوى العسكرية في العالم: الولايات المتحدة الأميركية وأوروبا وربما اليوم مدعومة من قبل أكثر من 90؟
من دول العالم الذين باتوا ينظرون إلى العرب والمسلمين من وجهة نظر الإرهاب والقتل والاقتتال الطائفي الداخلي والتطرف والتزمت والتخلف والاتكالية والضعف والكرم المسرف والرفاهية المفرطة والشكلية والتقليد الأعمى وغيرها من الأمور التي تسيء إلى سمعة حضارة عمرها آلاف السنين.
لا يختلف إثنان على مشروعية الدفاع عن النفس وتحرير الأرض. ولكن الدفاع عن النفس أيضا له شروط أساسية. وعدم الالتزام بها من قبل أحد الأطراف لا يعطينا الحق في الإخلال بها من طرفنا نحن. و إلا أصبحت الحياة فوضى.
بل إن إخلالنا نحن المسلمين بها يزيل عنا تلك الصفة الرائعة التي وصفنا بها الله في عدة مواقع من كتابه الكريم: ( كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله ـ سورة آل عمران).
خاصة إذا كان عمر ذلك الاستشهادي لا يتجاوز السادسة عشرة، ما يسيء بشكل أكبر لسمعة المسلمين في العالم بأنهم يغررون بأطفالهم ويستدرجوهم للموت بينما الكبار يجلسون في بيوتهم يخططون لتلك العمليات، حتى ولو أننا نقر بأن الممارسات الإسرائيلية المتوحشة ضد الشعب الفلسطيني هي التي دفعتهم دفعا إلى ذلك.
جامعة الإمارات