إذا اعتبرنا ما حدث في مدينة الاسكندرية المصرية الأسبوع الماضي «فتنة صغيرة» أو حتى كارثة، فإن الفتنة الأكبر والأكثر كارثية أن نستمر في التعامل مع الأمر بالطريقة السطحية والتافهة والمخدِّرة إيَّاها.

في كل الفتن المشابهة التي تشهدها مصر باستمرار منذ أواخر السبعينات وحتى هذه اللحظة، هناك سيناريو ممل يتكرَّر طوال الوقت كالتالي: المسؤولون ومن أكبر رأس حتى أصغر عضو مجلس محلي مروراً بالوزراء والقيادات الدينية الرسمية يخرجون علينا بأسطوانة الوحدة الوطنية، يلتقي شيخ الأزهر ببطريرك الكنيسة، يتعانقان أمام الكاميرات،

ويبتسمان مؤكدين على وحدة «عنصري الأمة»، الصحف الحكومية تتحدث عن «النسيج الواحد» والبعض يشتط في حماسه محملاً «أقباط المهجر» المسؤولية، والبعض الآخر يريد أن يستريح ويلقي المسؤولية عن كاهله مرجعاً الأمر بأكمله إلى «مؤامرة أميركية ـ صهيونية» تريد بلقنة مصر أو «لبننتها»، وربما «عرقنتها» أو «بوسنتها» أو «كوسفتها»..

والمصطلحات الثلاثة الأخيرة مشتقة من العراق والبوسنة وكوسوفو! ولسوء الحظ، فإن ما حدث بعد جريمة الاسكندرية الأخيرة لم يخرج عن نفس النمط السطحي والتافه القديم.. والأكثر مأساوية أن استمرار هذا النمط من التعامل معناه الوحيد أننا ننزلق وبسرعة لا يتخيلها أحد إلى فتنة طائفية حقيقية وكبرى لا تبقي ولا تذر، وستجرف معها المنطقة بأكملها إلى هاوية لا يعلم عواقبها إلا الله.

الخروج من هذه الدوامة الجهنمية يستلزم علاجاً حقيقياً واستئصال الورم السرطاني الذي ينمو بسرعة قياسية في جسد الأمة المصرية وعدم التغابي وعلاج المرض باعتباره مجرّد زكام عادي يزول بعد أيام قليلة عبر المسكِّنات.

بداية العلاج لا بد أن يصاحبها الاعتراف أولاً بالمرض، والإقرار بأن هناك مشكلة حقيقية تعاني منها مصر، بل وسائر المنطقة، وفي هذا الصدد علينا أن نتوقف وفوراً عن ترديد أسطوانة «المؤامرة الأميركية ـ الصهيونية» ليس بهدف إنكارها، أو لأنها غير موجودة،

بل لأن الطرفين الأميركي والصهيوني أعلنا بوضوح عقب احتلال العراق على لسان قادة التيار المحافظ المتصهين في الإدارة الأميركية أن «الجائزة الكبرى» بعد العراق وسوريا وإيران ونفط المنطقة هي مصر، بهدف تركيعها وإخضاعها للمخطط الجهنمي.

إذاً الأمر ليس مؤامرة سرية، بل هو حرب معلنة نراها كل لحظة بأعيننا ولا نريد أن نصدقها، لأننا لا نريد أن نعمل أو ننتج أو نقاوم. هذه المؤامرة أو الحرب المعلنة لا يمكن لها أن تحقق أهدافها إذا كانت المناعة الداخلية لمجتمعاتنا قوية ومحصنة..

انظروا مثلاً كيف استطاعت أميركا اختراق العراق بسهولة بسبب هشاشة وضعه الداخلي، في حين لا تزال عاجزة عن اختراق المجتمع الإيراني القوي نسبياً حتى هذه اللحظة.

عطفاً على ذلك، فإن مصر لا يمكنها التصدِّي لما يُحاك ضدها من دون أن تكون قوية.. لكي تكون قوية فلا بد أولاً من الاعتراف بأن أقباطها يعانون من مشكلات حقيقية لا بد من حلها، سواء على صعيد بناء كنائسهم أو حرية عباداتهم أو حقهم في الحصول على الفرص المتساوية في الوظائف..

إذا أردنا التصدِّي للعدو الحقيقي فعلينا الاعتراف بأن أقباط مصر جزء فعلي وحقيقي من نسيج الوطن، لا يمكن خلعهم أو تهجيرهم، وهنا لا بد من استئصال كل القوى الطائفية في المجتمع،

وتغيير المناخ الثقافي الذي يتعامل بعضه مع الأقباط باعتبارهم «شيئا طارئا» أو مواطنين من الدرجة الثانية. وفي المقابل، على الأقباط التخلِّي عن عزلتهم والانخراط في المجتمع بكل قوتهم وعدم المراهنة على أي دور خارجي ثبت دائماً أنه لن يحميهم.

مشكلة تحقيق ذلك تتطلب أيضاً التوقف عن التعامل الأمني الغبي مع مثل هذه الأحداث من قبيل تمثيلية «المجرم المتخلِّف عقلياً»، مثل هذه الأسطوانات لم تعد تقنع أحداً، ولم يعد مقبولاً أن المتهم في كل حادث سياسي هو مختل عقلياً، بدءاً من الذين قاوموا الوجود الصهيوني في مصر والأردن نهاية بمرتكب جريمة الاسكندرية.

فإذا كانت أجهزة الأمن في أمتنا العربية تتباهى دائماً بأنها تعرف «دبَّة النملة» وتعلن كل يوم عن اكتشاف «تنظيمات متطرِّفة» فكيف تفشل دائماً في التصدِّي لبضعة مختلين عقلياً إذا كان ذلك صحيحاً.

مرة أخرى، المؤامرة لم تعد سرية بل معلنة، لكنها في كل المنطقة وليس في مصر وحدها لن تمر من دون مساعدة من الداخل. في لبنان مثلاً، لا يمكن تمرير المؤامرة إذا آمنت ما تُسمَّى بقوى «14 مارس» بأن الرهان على الغرب سيفشل وأن سوريا الشعب هي الأبقى للبنان.

في العراق ستفشل المؤامرة إذا توقف قادة وأمراء الطوائف عن الاستقواء بالمحتل الغاشم، في دارفور ستفشل المؤامرة إذا نجحت الحكومة في تحقيق العدالة وتوزيع الثروة على كل المناطق بالتساوي. ستفشل المؤامرة إذا أعطت الحكومات شعوبها الحرية، وتوقفت عن الفساد والنهب، وراعت مصالح الأقليات فيها.

لكن، ولسوء الحظ، فإن غياب المشروع الوطني النهضوي هو السبب في كل ما نعانيه من مصائب وكوارث، لدينا حكومات كثيرة في أمتنا مستعدة لبيع أوطانها بأكملها نظير الاستمرار في كرسي الحكم، «تفبرك» قضايا أمنية و«تشعل» الوطن كي تبرِّر لسيد البيت الأبيض أهمية استمرارها. تراهن على إسرائيل أحياناً ضد مصالح شعوبها.

المشكلة أن الرهان على كثير من حكومات المنطقة للتصدِّي للمؤامرة الحقيقية والكبرى ضد الأمة هو من قبيل الرهان على شيمون بيريز لنشر الرخاء في المنطقة العربية، لذلك فلا حل سوى أن تنهض كل القوى الحيّة في المجتمعات العربية كي تتصدى لهذا السيناريو الكابوسي،

وإلا فالكارثة قادمة ونُذر الفتنة تطرق الأبواب، ويمكن رؤيتها بالعين المجردة في شوارع بغداد وبيروت والاسكندرية ودارفور. ليس الذي هاجم كنائس الاسكندرية هو وحده المختل عقلياً، لكنهم كل الذين شجَّعوه وتركوه، أو أولئك الذين صمتوا ولم يقاوموه، ليس في الاسكندرية فقط، ولكن في كل عموم المنطقة العربية.