عندما كنت صغيرة كنت أنظر بشيء من التبجيل والإعجاب لمهنتين رفعتهما في ذهني فوق كل المهن، الطب والمحاماة. ولا أعتقد أنني كنت أتفرد وحدي بحمل مثل تلك المشاعر بل كان يحملها في ظني كل من ينظر لتلك المهنتين على أنهما أنبل مهنتين ممكن للإنسان أن يشتغل بهما، وما زال الكثير من البشر يعطيهما تلك المكانة.

وهذه المكانة عززتها المعرفة القديمة بهاتين المهنتين في التاريخ البشري، فالأولى ارتبطت في أذهاننا بسعي الإنسان لرفع معاناة المرض عن أخيه الإنسان من خلال معرفته أو إدراكه بطبيعة الجسد الإنساني وما يطرأ عليه من تحولات وما فيه من خصائص، وأن صاحبها يتجرد من صغائر الأمور ويتفانى في خدمة غيره، حتى على حساب راحته الشخصية.

فلقد كان الطب في القديم من أعمق المهن التي اشتغل عليها خاصة العلماء وتمرس فيها الفلاسفة، لأنها كانت تعني أكثر من مفهوم عضو يمرض في الإنسان ويبحث الطبيب عن دوائه، بل كانت نظرتها مرتبطة بالإنسان كذرة في الكون احتوت كل خصائصه. أي أن الإنسان في نظر فلاسفة الأطباء هو الكون الأصغر، وبالتالي يصبح النظر في أموره والتفكر في أصوله جزءاً من النظر في الكون الأكبر والتفكر في معانيه.

المهنة الثانية التي كنت أقدرها كثيراً، وهي المحاماة، جاء ألقها من حيث إنها ارتبطت في ذهني وأنا صغيرة بالعدالة المطلقة وسعي الإنسان لإعلاء قيمها والدفاع عنها. فالمحامي في نظري كان الشخص الذي يتصدى لرفع الظلم عن الإنسان ويسعى بكل جهده للحد من البطش أو النيل من شخص برئ.

بطبيعة الحال هذه الصورة المثالية وغير الواقعية التي حملتها في ذهني لفترة طويلة لهاتين المهنتين تبددت حين تعديت المرحلة التي تتسم في حياة الإنسان بتلك الصفات، مرحلة الصبا والشباب، فعندما كبرت وتعلمت أكثر وانغمست في الحياة الواقعية وجدت أن القيم التي ارتبطت في ذهني بهاتين الوظيفتين قد تغيرت،

وأن أموراً كثيرة قد استجدت في حياة البشرية وأنزلت الكثير من المهن من مرتبة السمو إلى مرتبة الوظيفة العادية، بما في ذلك مهنتا الطب والمحاماة. فالطب في العصر الحالي،على سبيل المثال، لم يعد علماً مرتبطاً بالفلسفة بل صار في جانبه الأكبر جزءاً ملحقاً بمؤسسات ربحية ضخمة، مثل شركات الأدوية،

والتي ليس من خصائصها التفكر في الكون والسعي نحو البحث عن سبل توازنه لتطبيق نتائجها على صحة الإنسان، بل يسعى معظمها في الواقع نحو زيادة أرصدتها وتعزيز نفوذها، وإن كان ذلك على حساب صحة الإنسان وسعادته.

والذي يبحث في الأدوار التي تشكلها وتلعبها شركات الأدوية حتما سترعبه حقيقة أن بعضها يشير حتى إلى سعي تلك الشركات ليس نحو تطوير الدواء، بل نشر الأمراض أو السعي الى تفاقمها، وذلك حتى تتمكن تلك المؤسسات من تعزيز خطوط إنتاجها وزيادة مداخيلهاالضخمة.

مهنة المحاماة أيضا تغيرت كثيرا في قيمها وتخلى بعض ممارسيها عن المثل العليا التي ارتبطت بتلك المهنة، حيث طغى جانب المنفعة المادية على جانب البحث في تعزيز العدالة ونشرها. ألا أنه تبقى حقيقة أن التعدي على حياة الإنسان حين يمارسه الطب يصير أخطر من التجاوزات التي تمارس في مهنة المحاماة.

إذ أن التجاوز الذي يقوم به المحامي محدود التأثير إلى حد كبير وقد يرتبط بالدرجة الأولى بسعي أي محام يمتلك مهارات الدفاع الذكية بتخليص شخصية قامت بارتكاب جرم من العقوبة أو تخفيفها.

وهذه مسألة تبقى إلى حد ما محدودة الأثر. لكن حين يقوم الطبيب باختراق شرف مهنته فإن تأثير ذلك الاختراق لا شك له أثر أكبر في حياة البشر. فالطبيب أولا ما زال يحمل الكثير من المصداقية القديمة التي ارتبطت بمهنته، وما زال الناس ينظرون للطبيب على أنه الشخص الذي يتوقعون منه رفع المعاناة التي يشعرون بها حين تتعرض صحتهم أو نفوسهم للاعتلال.

لكنهم لا يعتقدون بأي شكل من الأشكال، في غالب الأمر، بأن الطبيب ربما يتعامل معهم من منطلق مصلحته الشخصية البحتة والتي تجعله يمارس عليهم أحيانا أنماطا من العلاج قد لا يحتاجونها أو لا تتناسب معهم، أو قد تحمل لهم ضررا، أو أنه يعطيهم دواء معينا لأن شركة تلك الدواء قد أعطته امتيازات أو تسهيلات كثيرة نتيجة إقناعه باستخدام منتجهم.

الأخطر من ذلك طبعا، وبالذات في بلدنا، ما سمعت به مؤخرا عن قيام أحد مراكز الإخصاب الصناعي، باختراق الكثير من الخطوط الحمراء المرتبطة بالدور الذي تقوم به، حيث تقول المعلومات التي سمعتها إن مركز الإخصاب ذاك، والذي كان يعمل تحت إشراف أحد الأطباءالأجانب، كان يقوم بالكثير من التجاوزات، ومنها شراء نطف من الخارج من البنوك التي تعمل في هذا المجال واستعمالها في علاجهم للنساء هنا،

وهناك دلائل لدى بعض الأشخاص على هذا الكلام. والغريب أن أحد طلبتي كان يقول لي قبل أيام أن أحد أساتذتهم الأجانب طرح عليهم موضوع فكرة بنوك النطف ولماذا هم يعارضون وجودها وما الضرر في استعانة الناس بنطف غيرهم إذا كانوا بحاجة لها.

هذه مسألة لا أعتقد أنها هينة أو أن الناس في مجتمعنا تتقبلها و ترضاها، لأنها مرتبطة بالدرجة الأولى بأبعاد دينية حساسة. كما أن ممارسة مثل هذه الأدوار، إن حدثت في الواقع، لها دلالة خطيرة، وهي أن الربح المادي لا يكترث بالقيم، حتى وإن بلغت من الحساسية مبلغا هاماً، وأن الطب، بما ارتبط به من مصداقية، لا يكترث بما قد يتعرض له الإنسان من مآس في مثل هذه الحالات.

البعد الآخر للقضية مرتبط بالدرجة الأولى بأناس نأتي بهم، أو يأتون إلينا، ونعطي مكانة نبخل بها حتى على أبنائنا، وننسى، أو ربما لا ندرك أن هؤلاء بشر وأن لهم منظومة من القيم التي قد لا تتفق مع قيمنا، أو، وهنا الإشكالية، أنهم يأتون أصلا محملين بنظرة لا تحمل لنا إلا البغضاء والتعدي. الأمر متروك لمن في يده التحقق من مثل هذه الأمور، ومتروك لكم، قراء هذا المقال.

جامعة الإمارات