إعلان إيران، في الحادي عشر من أبريل الجاري، عن نجاحها في إكمال دورة الوقود النووي، وتحويل اليورانيوم الخام، الذي تبلغ فيه، نسبة النظير (235) القابل للانشطار 76 ,0 %، إلى يورانيوم تبلغ فيه هذه النسبة 5 ,3 %، أمر على درجة كبيرة من الأهمية.
أولها على المستوى التقني، بالرغم من أن المعلومات العلمية والتقنية، التي استندت إليها إيران، سبق وأن نشرت منذ سنوات طويلة، وثانيها على المستوى العسكري والسياسي، فهذه القدرات، تقود إيران، لا محالة، إلى الحصول على تخصيب، يتجاوز 90 %، وهو المطلوب في الأسلحة النووية.
كما أعلنت إيران، بأنها أنتجت 110 أطنان، من غاز سادس فلوريد اليورانيوم، وهي الخطوة التي تسبق التخصيب، وبحساب بسيط، نستطيع أن نستنتج، بأن الكمية المشار إليها، تحتوي على ما يزيد قليلاً، على نصف الطن من النظير 235.
وهو في حالة استخلاصه، قد يكون كافياً، لإنتاج عشر قنابل نووية صغيرة، من طراز قنبلة هيروشيما، التي بلغت قوة انفجارها، 12500 طن تقريباً، من مادة تي إن تي، الشديدة الانفجار.
لقد هيأت إيران، المسرح الإعلامي، بشكل ذكي، لاستقبال هذا الإعلان، وقد توخت في توقيته، وضع العالم، غير الموحد إزاءها، أمام الأمر الواقع. فقد جاء هذا الإعلان، تتويجاً للمناورات العسكرية المُقلقة، التي أجرتها في الخليج مؤخراً، ومقدمة لزيارة المدير العام، للوكالة الدولية للطاقة الذرية لطهران، ومع قرب بدء المحادثات الأميركية الإيرانية، حول الشأن العراقي.
كما جاء الإعلان، في وقت تراجعت فيه شعبية الرئيس الأميركي، وتعرض وزير دفاعه، وسياسات البنتاغون عموماً، إلى أشد النقد، الذي وصل حدود المطالبة، باستقالة الوزير رامسفيلد.
ومنذ صدور هذا الإعلان، بدأ المسؤولون الإيرانيون بالتصريح، بأن إيران قد أصبحت دولة نووية، ينبغي التعامل معها على هذا الأساس، وليس غير ذلك.
وأنها قد حسمت موقفها، وقررت المضي قدماً في برنامجها النووي، غير عابئة، بمواقف الدول أو المنظمات الأخرى. فقد رفضت رفضاً قاطعاً، الاستجابة للنداءات، التي وجهت إليها من دول عديدة، ومن المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية، ومن الأمين العام للأمم المتحدة، للتوقف عن عملية التخصيب، وهي بذلك أصبحت أكثر عزلة، من أي وقت مضى.
هنالك نهاية لا بد منها لهذه الأزمة، قد لا تأتي في وقت قريب، فهنالك حسابات خاصة، بالبيت الأميركي نفسه، الذي يتهيأ لانتخابات الكونغرس، في نوفمبر القادم.
وهنالك حسابات على المستوى الدولي، تتطلب حشداً تستطيع الولايات المتحدة، من خلاله، إدانة إيران، وفق المادة السابعة، من ميثاق الأمم المتحدة، التي تجيز، اتخاذ مختلف الإجراءات، وبضمنها استخدام القوة، لمنعها من الاستمرار في برنامجها النووي.
لا شك أن إيران تدرك حجم المخاطر المحيطة بها، ولكنها مصرة، على المضي قدماً في برنامجها، والولايات المتحدة وحلفاؤها الأوروبيون، مصرون من ناحيتهم، على منع إيران، من امتلاك التكنولوجيا النووية.
ولن يتمكن الحمائم، في روسيا والصين، من تلطيف الأجواء، بين الفرقاء، إلا قليلاً، فأين سيفضي بنا صراع الدِيكة هذا، خاصة ونحن المتفرجين على هذه اللعبة، نقف وسط ساحات قابلة للاشتعال؟
لقد كشفت هذه الأزمة، حجم الضعف العربي، سياسياً وعسكرياً في المنطقة، وإخفاق الدول العربية، وهي الأكثرية في منطقة الشرق الأوسط، في المساحة الجغرافية وفي الحجم السكاني، في صياغة نظام أمني فاعل، يقيها هزات من النوع الذي نتحدث عنه.
فدول الخليج العربية، بشكل خاص، في موقف محرج للغاية، فهي في الوقت الذي لا تخفي فيه قلقها من البرنامج النووي الإيراني على مستقبل التوازن، في الشرق الأوسط، وفي الخليج العربي بشكل خاص، لا تخفي قلقاً أكبر من ذلك بكثير، وهو تداعيات ضربة عسكرية، قد تنفذ ضد المواقع النووية الحساسة في الأراضي الإيرانية.
إن أبرز دول الشرق الأوسط المعنية في التطورات التي تجري في إيران، والتي يمكن أن يكون لهما دور فاعل، هما إسرائيل وتركيا، إذ لم تخف الأولى، رغبتها الشديدة في رؤية عملية عسكرية حاسمة، تُقبر المشروع النووي الإيراني في مهده.
وتعيده سنوات إلى الوراء. أما الثانية، فلها في الحقيقة أكثر من سبب للقلق مما يجري، في المنطقة، بسبب تعاظم الدور الإيراني، ورغم أنها، حليف تقليدي للولايات المتحدة، وأحد الأعضاء في حلف الأطلسي، إلا أنها قد لا تسهم عسكرياً بشكل مباشر، في حالة توجيه ضربة عسكرية للمواقع الإيرانية، إلا أن تقديمها للدعم اللوجستي، أمر غير مستبعد.
إن تنفيذ ضربة عسكرية للمواقع النووية الإيرانية ليس حلاً للمشكلة، فالرد الإيراني سيكون مدمراً لمصالح العديد من دول المنطقة، ولمصالح العديد من دول العالم، التي تستورد النفط من منطقة الخليج العربي.
وإذا أرادت الولايات المتحدة وحلفاؤها في العملية العسكرية، أن يتلافوا قدراً من هذه التداعيات، فسوف لن يكون أمامهم غير سيناريو واحد فقط، وهو تدمير القدرات الصاروخية الإيرانية، وقدرات إيران البحرية كذلك، وهذا يضعهم أمام خيار حرب حقيقية، مع دولة كبيرة في المنطقة.
وهذا الخيار قد ينسجم مع روح المغامرة، التي تحكم عقلية الإدارة الأميركية الحاكمة، وقد يخدم، أهداف دول تكتم غيظها، من التسلط الأميركي في الساحة الدولية، إلا أنه خيار من الصعب أن يلقى قبولاً، في الأوساط الأميركية، التي لم تعد تخفي استياءها من التورط الأميركي في الشرق الأوسط.
كاتب عراقي
ajamal@emirates.net.ae
