يميل الأميركيون بشكل متزايد إلى المطالبة باتجاه جديد. فهم يبحثون عن قيادة جسورة.. وسياسات جسورة جديدة للتعامل مع التحديات التي نواجهها. التأييد الشعبي للرئيس بوش يقترب من أدنى مستوياته على الإطلاق. والتأييد للكونغرس الجمهوري آخذ بالتدني حتى إلى ما دون المستوى الجمهوري القاعدي.
ومع هذا كله، لم ترتفع حظوظ الديمقراطيين وهذا ليس مفاجئاً. ففي مواجهة الكارثة الملحمية التي جلبتها سياسة هذه الإدارة وهذا الكونغرس، لم يطرح الديمقراطيون إلى الآن أي بديل مدروس ومقنع. ولم يتوانوا عن تفويت الفرص.
بدأ الأميركيون يواجهون تدريجياً الفشل الذي منيت به أميركا. فالحرب الاستباقية في العراق عزلتنا عن أصدقائنا وقدمت أداة تجنيد فعالة لأعدائنا واستنزفت قواتنا المسلحة وأضعفت بلدنا.
خسائرنا البشرية آخذة بالتعاظم في الحرب التي بدأت تتحول إلى حرب أهلية. والكونغرس يوشك أن يضيف 70 مليار دولار أخرى فاتورة الأموال المهدورة على حرب ستكلفنا أكثر من تريليون دولار بحسب تقديرات الاقتصادي الحائز على جائزة نوبل جوزيف ستيغليتز.
لقد أدت التخفيضات الضريبية التي أقرها الرئيس جورج بوش إلى تراكم عجوزات قياسية في الميزانية وساهمت في مستويات لا تضاهى من التفاوت الطبقي، لكنها فشلت فشلاً ذريعاً في توليد وظائف جديدة. فإذا استثنينا الزيادة في وظائف القطاع العام على المستوى المحلي والوطني.
والوظائف التي تم توليدها من جراء التعاظم العسكري، فسنجد أن الولايات المتحدة خسرت عملياً في المحصلة أعداداً كبيرة من الوظائف خلال سنوات بوش في الحكم. والجزء الأكبر من الوظائف الضائعة هو من وظائف قطاع التصنيع التي تدر مداخيل أفضل من غيرها.
ولهذا فبرغم النمو الاقتصادي الذي تشهده أميركا، فإن أجور العمال ما زالت دون المستوى الكافي لتغطية نفقاتهم، بينما تقوم الشركات الكبرى بتقليص أو سحب المزايا الممنوحة للعمال فيما يتعلق بمعاشات التقاعد والرعاية الصحية.
ولقد أدت السياسات التجارية للرئيس بوش وسياساته مع الشركات الكبرى إلى مراكمة عجوزات تجارية غير مسبوقة في سجلات التاريخ. وما يفعله بوش عملياً هو أنه رهن أميركا عقارياً للدائنين الأجانب..
وبخاصة البنوك المركزية في الصين واليابان. وسيتعين على الأميركيين العمل واقتطاع جزء معتبر من دخلهم لسد الديون للدائنين الأجانب. والنتيجة هنا مرة أخرى هي زيادة الضغط على الأجور، وهجرة الوظائف الجيدة وتدمير قطاع التصنيع.
ومن ناحية أخرى تعرت الإخفاقات الذريعة لبوش في مجال الأمن القومي بعد معاناة الناجين من كاترينا والتقصير في مراجعة خطط الدفاع لعدد من المعامل الكيماوية الخطرة، وتبديد الموارد بدون حساب دون تركيزها على الاحتياجات الأولية. (وهنا يقع الخطأ على عاتق الكونغرس الفاسد أكثر منه على الإدارة).
إن سياسات بوش الباعثة على الانقسام والشقاق وضعت الحكومة في غرف نومنا وعلى فراش موتنا وأضعفت حماية قانون حقوق التصويت وحولت الحكومة ضد برامج إنصاف الأقليات وقوت شوكة أعداء حقوق المرأة. لقد استخدم بوش الحرب على الإرهاب كناد حزبي يغذي انقسامنا في وقت نحتاج فيه لمن يوحدنا.
ليس هناك أي جديد في هذا كله. لكن الديمقراطيين يبدون إلى الآن جبناء جداً أو منقسمين جداً لدرجة أنهم لم يستطيعوا فعل شيء حيال هذا. ومن المضحك حقاً أن يكون شعارهم لانتخابات 2006 «يمكننا تقديم أداء أفضل» في وقت تعتبر أميركا بأمس الحاجة الآن لقيادة شجاعة واتجاه جديد. وحتى بعد أن جاهر النائب المحافظ جون مورتا في انتقاد سياسات الإدارة، لم يجرؤ الديمقراطيون على رفع أصواتهم بشأن العراق.
وهم يبدون عاجزين عن تقديم بديل منطقي لسياسات بوش الضريبية المدمرة. وحتى فيما يتعلق بكارثة كاترينا، فشل الديمقراطيون في تقديم بديل واضح لخذلان الإدارة للناجين من الإعصار.
لقد شجب الديمقراطيون بأعلى صوتهم «ثقافة الفساد» لكنهم فشلوا في وضع أجندة إصلاح شاملة، بسبب المسؤولين اللاهثين وراء المال منهم. وشجبوا سياسات الإدارة المحابية لشركات النفط الكبرى، لكنهم فشلوا في تبني مبادئ «تحالف أبولو» لتوليد الوظائف عن طريق الاستثمار في مصادر جديدة للطاقة ووسائل جديدة لرفع فعالية استهلاك الطاقة، وذلك لأنهم غير مستعدين لاستثمار أية موارد ذات شأن في مثل هذه المشاريع.
وهم يتهمون بوش بالتلاعب بورقة سياسات العرق والجنس والميول الجنسية لكنهم فشلوا في وضع قضية انتهاك الحقوق الأساسية في قلب حملاتهم الانتخابية. وحتى فيما يتصل بمحاكاة الرئيس بوش لرؤى نيكسون المتطرفة حول الصلاحيات الرئاسية، فلقد استطاع المدافعون عن الرئيس إسكاتهم بسهولة.
ولابد من القول إن بعض هذه المظاهر هي مصير الحزب المحروم كلياً من السلطة. ففي ظل سيطرة الجناح اليميني على كافة أفرع الحكومة، يصبح من السهل انقسام الديمقراطيين، ويجب عليهم خوض مناظرات حقيقية حول ماهية معتقداتهم وإلى أين يريدون أن يأخذوا أميركا.
لكن جزءاً كبيراً من هذا مرده إلى الجبن والاعتقاد بأن شعبية بوش والكونغرس الجمهوري تدنت كثيراً بعد إخفاقاتهم الذريعة، لدرجة أن بمقدور الديمقراطيين أن يرثوا السلطة بدون إلزام أنفسهم بشيء.
هذه طريقة تفكير سياسية خاطئة وسيئة. وأولئك الديمقراطيون الذين يريدون الترشح للرئاسة سيتعلمون من أنصارهم الأساسيين أن الضبابية في المواقف المتعلقة بقضايا ذات أهمية حيوية لن توصلهم إلى مرادهم.
خدمة لوس انجلوس تايمزخاص لـ «البيان»
