يخطئ من يعتقد أن الواقع السيئ في المنطقة العربية هو حالة مزمنة غير قابلة للتغيير. فقانون التطور الإنساني يفرض حتمية التغيير عاجلاً أم آجلاً. لكن ذلك لن يحدث تلقائياً لمجرد الحاجة للتغيير نحو الأفضل والأحسن، بل إن عدم تدخل الإرادة الإنسانية لإحداث التغيير المنشود قد يدفع إلى متغيرات أشد سلبية من الواقع المرفوض.
إذا، التغيير حاصل بفعل التراكمات المتلاحقة للأحداث كماً ونوعاً في المجتمعات العربية، لكن السؤال المركزي هو: التغيير في أي اتجاه؟ هل نحو مزيد من السوء والتدهور والانقسام أم سيكون التغيير استجابة لحاجات ومتطلبات بناء مجتمع عربي أفضل؟!
وحتى يحدث التغيير للأفضل، فإن المراهنة تكون دائماً على الأجيال الشابة ودورها الفاعل في صناعة المستقبل. فأي جيل جديد هو الذي نأمل منه إحداث التغيير؟
إن «الجيل القديم» في أي مجتمع هو بمثابة خزان المعرفة والخبرة الذي منه يستقي «الجيل الجديد» ما يحتاجه من فكر يؤطر حركته ويرشد عمله. يصبح «الجيل القديم» مسؤولاً عن صياغة «الفكر» بينما يتولى «الجيل الجديد» صناعة «العمل والحركة» لتنفيذ الأهداف المرجوة.
هنا يظهر التلازم الحتمي بين الفكر والحركة في أي عملية تغيير، كما تتضح أيضاً المسؤولية المشتركة للأجيال المختلفة. فلا «الجيل القديم» معفي من مسؤولية المستقبل ولا «الجيل الجديد» براء من مسؤولية الحاضر.
كلاهما معاً يتحملان مسؤولية مشتركة عن الحاضر والمستقبل معاً. وبمقدار الضخ الصحيح والسليم للأفكار، تكون الحركة صحيحة وسليمة من قبل الجيل الجديد نحو مستقبل أفضل.
المشكلة الآن في الواقع العربي الراهن هي أن معظم «الجيل القديم» يحمل أفكاراً مليئة بالشوائب والحالات المرضية الذهنية الموروثة التي كانت في السابق مسؤولة عن تدهور أوضاع المجتمعات العربية وتراكم التخلف السياسي والاجتماعي والثقافي في مؤسساتها المختلفة.
فالمفاهيم المتداولة الآن في المجتمعات العربية هي التي تصنع فكر الجيل الجديد وهي التي ترشد حركته. لذلك نرى الشباب العربي يتمزق بين تطرف في السلبية واللامبالاة، وبين تطرف في أطر فئوية بأشكال طائفية أو مذهبية بعضها استباح العنف بأقصى معانيه وأشكاله.
وقد أصبح فهم الدين بالنسبة لبعض الشباب العربي يعني الانغماس الكلي في العبادات فقط وفي المظاهر الشكلية دون أي حركة إيجابية فاعلة بالمجتمع تدخل أصلاً في واجبات أي مؤمن. هذه الحركة الإيجابية التي وصفها الله تعالى بـ «العمل الصالح» الذي هو شقيق الإيمان الديني والوجه العملي للتعبير عنه.
وقد اختصر بعض الشباب العربي مفهوم «العمل الصالح» بإرسال رسائل عبر الإنترنت تدعو للصلاة والسلام على الرسول الكريم، وكأن ذلك يكفي لتغيير ما عليه الأمة من سوء واقع وحال!
وحينما يبحث بعض الشباب العربي المعاصر عن أطر فاعلة للحركة، فلا يجد أمامه إلا جماعات تزيد في أفكارها وممارساتها من حال الانقسام بالمجتمع أو قد يدفع بعضها بالعناصر الشابة إلى عنف مسلح ضد «الآخر» غير المنتمي لهذه الجماعة أو طائفتها أو مذهبها!
فالمفاهيم التي تحرك الجيل العربي الجديد الآن، هي مفاهيم تضع اللوم على «الآخر» في كل أسباب المشاكل والسلبيات، ولا تحمل أي «أجندة عمل» سوى إبادة «الآخر». وهي بذلك مفاهيم تهدم ولا تبني، تفرق ولا توحد، وتجعل القريب غريباً والصديق عدواً!.. فيصبح الهم الأول للجيل العربي الجديد هو كيفية التمايز عن «الآخر» لا البحث معه عن كلمة سواء.
مشكلة الشباب العربي المعاصر أنه نشأ في ظل بيئة انهزامية انقسامية تنتقل من هزيمة لأخرى، ومعايير النصر فيها هي فقط الموت والشهادة، لا صناعة الحياة الحرة الكريمة.
الشباب العربي المعاصر الآن لم يعش حقبات زمنية عاشها من سبقه من أجيال أخرى معاصرة، كانت الأمة العربية فيها موحدة في مشاعرها وأهدافها وحركتها رغم انقسامها السياسي على مستوى الحكومات. مراحل زمنية كان الفرز فيها بالمجتمع يقوم على اتجاهات فكرية وسياسية، لا على أسس طائفية أو مذهبية أو حتى إقليمية. لكن سوء الممارسات والتجارب الماضية.
إضافة إلى العطب في البناء الداخلي والتآمر الخارجي، أدى كله للإساءة إلى المفاهيم نفسها، فاستبدل الانتماء القومي والوطني بالهويات الطائفية والمذهبية والمناطقية، وأضحى العرب في كل وادٍ تقسيميٍ يهيمون، ويقولون ما لا يفعلون!
الشباب العربي المعاصر لم يعش الحقبة الزمنية التي كان الرأس العربي فيها مرفوعاً في مواجهة التحديات الخارجية ونتائج الفترة الاستعمارية على بلدان الأمة: من تأميم قناة السويس عام 1956 إلى إعلان الجمهورية العربية المتحدة عام 1958 إلى حرب أكتوبر 1973 والتي كانت ثمرة التضامن العربي الجاد والفعال بعد هزيمة عام 1967.
فجيل الشباب العربي يعيش فقط الآن حالة سوداوية من الصراعات العربية ومن غياب الأطر الجامعة وانعدام القيادة السليمة للأمة مجتمعة.
جيل الشباب المعاصر يفتقد حالياً ما كان في الأمة من إيجابيات رغم سوء الممارسات أحياناً أو نواقص الفكر أحياناً أخرى. فالمشكلة اليوم هي في الفكر والأساليب معاً. في الحكومات والمعارضات، في الواقع والبدائل المطروحة له.
هي فرصة مهمة، بل هي مسؤولية واجبة، للجيل العربي الجديد المعاصر الآن، أن يدرس ماضي أوطانه وأمته بموضوعية وتجرد، وأن يستخلص الدروس والعبر لبناء مستقبل جديد أفضل له وللجيل المقبل.
إن وسائل المعرفة والإعلام المتوفرة الآن بالإضافة إلى العلم المعاصر تتيح للجيل الجديد آفاقاً واسعة لدراسة خلاصات تجارب شعوب وأمم أخرى عانت أكثر مما يعانيه العرب الآن وكان فيها احتلال خارجي وتمزق داخلي وتخلف ثقافي واجتماعي، لكن رغم ذلك استطاعت التقدم والنهوض بل والمنافسة مع من كانوا يهيمنون عليها.
لكن في كل عملية تغيير هناك ركائز ثلاث متلازمة من المهم تحديدها أولاً: المنطلق، الأسلوب، والغاية. فلا يمكن لأي غاية أو هدف أن يتحققا بمعزل عن هذا التلازم بين الركائز الثلاث.
أي أن الغاية الوطنية أو القومية لا تتحقق إذا كان المنطلق لها، أو الأسلوب المعتمد من أجلها، هو طائفي أو مذهبي أو مناطقي، ولعل في تحديد (المنطلقات والغايات والأساليب) يكون المدخل السليم لدور أكثر إيجابية وفعالية للشباب العربي اليوم، فعسى أن نشهد قريباً ولادة جيل عربي جديد يحرص على هويته الثقافية العربية ومضمونها الحضاري.
وينطلق من أرضية عربية ووطنية مشتركة تعتمد مفهوم المواطنة لا الانتماء الطائفي أو المذهبي أو الأصول العرقية، وتستهدف الوصول ـ بأساليب ديمقراطية لا عنفية ـ إلى «اتحاد عربي ديمقراطي» حر من التدخل الأجنبي، وتتساوى فيه حقوق الأوطان وواجباتها كما تتساوى في كل منها حقوق المواطنين، رجالاً كانوا أم نساء.
مدير «مركز الحوار العربي» في واشنطن
alhewar@alhewar.com
