كاتب مصريرغم أن بيانات الأمم المتحدة وما في حكمها من دوائر السياسة الدولية الرصينة أطلقت على السيد تايلور وصف «الرئيس السابق» حتى وهو مكبل بأصفاد الاعتقال على حدود نيجيريا، إلا أن دوائر أخرى كثيرة، وبعضها عليم -كما يقال- ببواطن الأمور، ما برحت تفضل لقبا آخر تطلقه على تايلور وهو «تاجر الحرب» أو «نذير الشؤم والقتل والدمار».

وبصرف النظر عن الألقاب، فالمؤكد أن تشارلس تايلور، الرئيس السابق لدولة ليبيريا في غرب إفريقيا غادر السلطة في مونروفيا أو بالأدق خلعوه عن سدتها وأجبروه على مغادرتها في عام 2003 بعد أن خلف وراءه أكثر من 300 ألف إنسان لاقوا حتفهم في أتون الحروب التي أشعلها وفي حمأة الصراعات التي تسبب في اندلاعها واحتدامها.

كما أن قواته النظامية أو المرتزقة (الميليشيا) ظلت على مدار سنوات تعيث فسادا ونهبا في مقدرات بلدين متجاورين هما ليبيريا وسيراليون، هذا فضلا عن عدة ملايين من البشر لاذوا بالفرار من بلده ومن ثم تحولوا إلى لاجئين ومشردين وهائمين على وجوههم في الأدغال والغابات الإفريقية.

لهذا كله لم يكن غريبا أن تتصاعد زفرات ارتياح من نفوس شتى في إفريقيا وخارجها حين أعلنت رئيسة ليبيريا مطالبتها بتسليم تايلور إذ كان مقيما كلاجئ في نيجيريا حسب اتفاق إقليمي ودولي.. ومن ثم يصار إلى تقديم تايلور إلى ساحة القضاء الدولي بوصفه مجرم حرب ارتكب جرائم ضد الإنسانية وهي أبشع الأفعال المؤثمة - كما هو معروف طبقا لقواعد القانون الدولي.

صحيح أن دوائر دولية شتى مازالت تتحاور بشأن مكان المحاكمة.. خاصة وأن الأطراف الإفريقية أعربت عن تشككها في إمكانية ضمان أمن العملية القضائية المرتقبة.

وربما كانت تساورها شكوك بل مخاوف إزاء احتمالات تدمير أو اختطاف أو حتى جرائم اغتيال قد تقدم عليها عناصر كانت محسوبة في الماضي على السيد تايلور خلال أيام عز السلطة وأيام سيطرته أو محاولة سيطرته على تجارة الماس في غرب القارة السوداء.

وكانت تجارة رابحة ومدمّرة بكل مقياس إذ كانت تكفل بالذات تدفقات بغير انقطاع من الأسلحة التي كان المراقبون يروعهم رؤيتها محمولة على الأكتاف الغضة لغلمان لم يبلغوا سن المراهقة وبهم اختلق تايلور ومن على شاكلته من تجار الدمار وبارونات الحروب ظاهرة مازالت توصف بأنها «الأطفال - الجنود».

الأمر الذي دفع السيد كوفي عنان إلى حث المجتمع الدولي على التصدي لها بوصفها اغتيالات للطفولة ومصادرة على مستقبل أجيال أرضعوها ألبان العنف.. المسلح إلى أخر ما احتوته سطور التقرير الدولي الذي قدمه الأمين العام للأمم المتحدة بعنوان «الأطفال في غمار الصراعات المسلحة».

مثل أهل ليبيريا يتكلم تايلور الإنجليزية بطلاقة.. فالبلد اشتقوا اسمه من معنى الحرية وقصدوا به أن يكون موئلا أو مثوى لأحفاد العبيد العائدين من أميركا إلى إفريقيا بعد أن كابد أجدادهم محنة العبودية في الولايات المتحدة على مدار قرون.

في ليبيريا كان مولد تايلور في عائلة متوسطة الحال استطاعت أن توفده مبعوثا للدراسة في أميركا وفيها بدأ نشاطه السياسي مرتبطا بالشأن العام في عاصمة بلده مونروفيا حيث كان يحكم رئيس مصطنع استولى على السلطة وهو بدرجة رقيب في الجيش عام 1980 وفرض حكما قام على أسس من الفساد والديكتاتورية.

وعندما استولى تايلور على السلطة في عقد التسعينات كانت أفريقيا البائسة التاعسة تكابد أفظع المآسي التي وصلت إلى حد المذابح على نحو ما شهدته رواندا أو الكونغو أو سيراليون. أما في ليبيريا فقد استعان بالشباب والأحداث القاصرين على وجه الخصوص..

تحت شعار أن كبار السن يقفون بوجه مستقبل الشباب ويحمّلون الأجيال اليافعة بأكثر مما تطيق. يومها دعا تايلور إلى ما وصفه بأنه «ثورة على الكبار» - ولكنها كانت ثورة وحشية لا يكاد تاريخ الإنسانية يعرف لها نظيراً من حيث الفظاعة التي بلغت حدود الجنون.

في هذا السياق تقول دراسة منشورة بقلم ليديا بولغرين (نيويورك تايمز، عدد 2/4 الأسبوعي - الملحق السياسي): ـ كان القادة التابعون لتايلور يجبرون الأولاد على اغتيال آبائهم وسائر كبار السن من أفراد عائلاتهم تحت شعار كسر طوق المحرّمات (التابو) بمعنى الثورة على التقاليد التي تجعل هؤلاء الأحداث والشباب ينتظرون طويلا ريثما تنتقل إليهم الثروة بعد رحيل الآباء..

وبعدها يعمد أعوان تايلور إلى تقديم عقار الماريجوانا وسائر المواد المخدرة المغيبة للعقل والإدراك السليم إلى هؤلاء الصبية والأحداث وكان الهدف هو: أن تُشحذ في داخلهم غرائز القتل وسفك الدماء.. أما أجورهم فكثيرا ما كانوا يتقاضونها من خلال فسح المجال لهم كي يرتكبوا حوادث السلب والنهب وجرائم الاغتصاب(!).

لم يكن بالعجيب إذن أن يطلق هؤلاء الأطفال الجنود لقب «بابي» على قائدهم الأعلى السفاح تايلور - ولا كان عجيبا أن تبلغ وحشية هذا «البابي» البالغ الآن من العمر 58 سنة الحد الذي كان يفضل فيه معاقبة خصومه ومعارضيه، لا بقتلهم ولكن ببتر أطرافهم كي يعيشوا عاجزين بغير أيد أو سيقان.

وتشاء عدالة الأقدار أن يساق تايلور مع أواخر الشهر الماضي مخفورا بجنود الأمم المتحدة إلى المحكمة الدولية الخاصة بسيراليون.. كان يرتدي حلة أنيقة وربطة عنق فاخرة وحاول أن يظل هادئا حين رفض بداهة الاعتراف بالولاية القضائية للمحكمة واصفا جارته سيراليون بأنها الدولة الشقيقة التي ما كان ليلحق بها أذى ولا يعتدي على أرضها... الخ.

هذه العدالة الإلهية هي التي جعلت من أطراف هذا المشهد المبدئي للمحاكمة واحداً من مواطنيه اسمه «لامين» (لعله الأمين) جوسو جاركا هتف ساعتها قائلا:

ـ عندما يمثل تايلور في قفص الاتهام سوف أحاول أن أرفع يدي كي يشاهد ما اقترفه بحق شعبنا..

ولا عجب فقد كان الرجل مبتور الذراعين بأمر من بارون الحرب تايلور إذ كان واحدا من معارضيه.. وهو الآن رئيس رابطة مبتوري الأعضاء وجرحى الحرب في منطقة غرب أفريقيا.

ما زال تايلور ينتظر بدء جلسات المحاكمة ومرافعات الإدعاء.. وما زالت أوساط شتى في أفريقيا وخارجها تطالب بمحاكمته في لاهاي أمام المحكمة الجنائية الدولية أسوة برئيس يوغسلافيا (صربيا) الأسبق ميلوسيفيتش الذي لقي حتفه في الشهر الماضي وهو رهن الاحتجاز، وقد يطول الأجل بالسيد تايلور إلى أن تصدر عليه الأحكام المطبقة على مجرمي الحرب ومن على شاكلتهم - وقد لا يهم العالم كثيرا مصير الرجل فهو فرد في التحليل الأخير..

وهو بالطبع متهم بريء حتى تثبت إدانته، لكن الدرس المستفاد هو الذي عبرت عنه جريدة «الجارديان ويكلي» الإنجليزية (عدد 13/4) حين دعت إلى إنهاء ظاهرة الإفلات من العقاب في أفريقيا بمعنى أن لا يكون ثمة حصانة لأي فرد أيا كان منصبه حيث يجب أن يعرف كل فرد أنه خاضع يوما للمساءلة وهي حساب قانوني إنساني قبل الحساب الإلهي في عالم البقاء..

في هذا تختم الجارديان دعوتها بعبارات تقول: إن حالة تايلور ينبغي أن تكون درسا بليغا يدفع سائر الطغاة في أفريقيا أن يفكروا مرتين قبل أن يطلقوا زبانيتهم كي يرتكبوا مجازر جماعية.. ومثل هذه الفظائع لا ينبغي على الإطلاق أن تعامل في النهاية لا بمنطق الصفح ولا بمنح حق اللجوء في بلاد الآخرين.