لم يوفر العبث شيئاً ولم يبق مكاناً لم يقلبه رأساً على عقب، لم يترك العبث للعقل مكانا، ولا للمنطق فرصة، لم يدع للعقلاء موطئ قدم يقفون فيه على أرض صلبة.

ولو بمقياس شبر مربع يتحاكمون فيها للعقل والأخلاق في مواجهة الجنون والشراسة، العبث في كل مكان يحصد البشر كل يوم كمنجل الشيطان، ومعهم يحصد الفعل الإنساني النبيل، والحركة المتحضرة باتجاه الخير والصلاح والإصلاح.

مع ذلك، فالعبث لا يتحرك من تلقاء نفسه، ولا يخترع أدواته من الفراغ، ولا يؤسس إمبراطوريته معلقاً في الهواء، فله جيوش تكتب قوانينه ودساتيره، وله جنود يدافعون عن جرائمه.

وله طوابير تحرسه، ولولا العنف الإسرائيلي ما كانت العمليات الاستشهادية ولولا الجرائم الأميركية في العراق ما كان التطرف المميت، ولولا التمييز والعنصرية والفقر وسوء توزيع الثروة ما كانت الجريمة، والعنف المجتمعي، والانخراط في الإرهاب والجريمة المنظمة... وفي النهاية فالنتائج رهن بالمقدمات دائماً!!

لقد تحدثت طويلاً صباح الأمس مع السيد «جوستورك» نائب المدير لقسم الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في منظمة مراقبة حقوق الإنسان «هيومن رايتس ووتش» حول مشروع مناهضة قتل المدنيين في مناطق الصراعات الرئيسية في الشرق الأوسط، مكان يقصد العراق والأراضي الفلسطينية المحتلة تحديداً.

وعلى الرغم من إيماني بأهمية الدور الذي تلعبه المنظمات الأهلية فيما يتعلق بمجال حقوق الإنسان في العالم، إلا أنني أعتقد بأن هناك معياراً غربياً يبقى ماثلاً بيننا وبينهم في النظر إلى القضايا وفي فهمها وتحليلها والحكم عليها!

ليس لدينا خلط للأوراق كما يتهموننا دائماً، لكن لديهم ازدواجية معايير لا يمكنهم تخطيها، خاصة عندما يتعلق الأمر بـ «إسرائيل» تحديداً، ولقد كرر الرجل مراراً السؤال لماذا يقتل مدنيون آمنون في مقهى في «إسرائيل» إذا كان الجنود الإسرائيليون يقتلون الفلسطينيين؟

لكنه لم يتساءل: وما هو ذنب المدنيين الفلسطينيين كي تحصدهم أسلحة الجنود الإسرائيليين وكذلك أسلحة المستوطنين معاً؟ ألا يعبر السؤال نفسه عن ازدواجية في الرؤية والفهم والتحليل وبالنتيجة في الحكم واتخاذ المواقف؟

لقد كان من قبيل المفارقة أن أعود إلى المنزل ظهراً بعد هذا الحديث، ليكون أول خبر عاجل يظهر على الشاشة «ستة قتلى وعشرات الجرحى في انفجار في تل أبيب...» فماذا يستطيع شعب يقتل كل يوم ومنذ سنوات وأجيال، سوى أن يدافع عن نفسه بهذه الطريقة؟

السيد «جوستورك» يقول «لسنا ضد أن يدافع الفلسطينيون عن أنفسهم فهذا حقهم، لكن عليهم أن يقتلوا الجيش والجنود الإسرائيليين وليس المدنيين؟ ومع احترامي له، لكن لماذا تقتل «إسرائيل» المدنيين الفلسطينيين؟

sultan@dmi.gov.ae