حيال دعوة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد للمواطنين بالتشبث بمنازلهم ومناطقهم حفاظاً على هويتهم وخصوصيتهم، علينا كمواطنين أن نعي أهمية هذه الدعوة وان نعترف بأننا نتحمل جزءًا كبيراً من المسؤولية، وبان لنا دوراً خطيراً حيال كارثة الخلل السكاني الحاصل عندنا، والذي صرنا اليوم نتلمس انعكاساته وأثاره التدميرية في كل خطوة نخطوها على الأرض.

إن الدور الذي نتحدث عنه هنا يتعلق بمساهمتنا في وجود هذا الخلل، في تفاقمه، في إنعاش وجوده، وفي التكسب منه للأسف، وبحكم حياتي في دبي فأنا أعرف عنها أكثر مما اعرفه عن إمارات أخرى.

ولذلك استطيع القول بثقة تامة اننا بيدنا ـ لا بيد عمرو كما يقول المثل ـ صنعنا حالة غربتنا واغترابنا في المدينة، حين هجرنا أحياءنا وحاراتنا ومنازلنا، على امتداد سنوات طويلة ، أجيالا تلو أجيال!!

ولو عددنا المناطق التي سكناها على مدى حياة شخص يبلغ الأربعين من عمره مثلاً، لوجدناه قد تنقل خلال هذه السنوات ما بين أربعة إلى خمسة أحياء سكنية في المتوسط العام.

وفي كل مرة يخرج فيها مواطنو منطقة من منطقتهم على شكل هجرة أو رحيل جماعي إلى مكان آخر، فإن هذا الرحيل غالباً ما يتم باتجاه الصحراء، ليستقر الأجانب والآسيويون في قلب المدينة والمواطنون على أطرافها وفي قلب الصحراء!!

هذا السلوك الإنساني، وان بدا له ما يبرره، وهو ان كان دليلاً على ديناميكية المجتمع وحيوية أفراده، وهو ان عبَّر كذلك عن تنمية بشرية وإنسانية و....الخ إلا أنه يحمل في عمقه دلالات خطيرة، ويخلف نتاجاً وآثاراً يعاني منها مجتمع الإمارات ككل وسيعاني منها كثيراً في المستقبل..

وإن فحصاً ميدانياً سريعاً لواقع المدينة يقول بانها صارت رهينة حقيقية بأيدي الآسيويين الذين يسيطرون بسكناهم الكثيف، وبتجارتهم وتكتلاتهم العرقية والدينية والمذهبية على كل مفاصلها الحيوية، ما يجعل التشبث بالباقي مسؤولية الجميع في المرحلة الراهنة والمقبلة!!

إن المدينة تكبر وتتسع، وان المنازل والأحياء تضيق بساكنيها أحياناً، والأسر كذلك تنمو وتتمدد ويكثر أفرادها ويكبرون فيحتاجون بيوتاً أكبر.

وخدمات أكثر ربما لا تتوافر في الأحياء القديمة والمنازل الصغيرة، وهذه أسباب جوهرية لترك الناس منازلهم إلى أحياء جديدة، فمن جهة تنمو المدينة بشكل طبيعي، ومن جهة أخرى يطور الناس مستوى حياتهم كنتيجة طبيعية لتطور مستوى الدخول والحياة المادية.

لكن ذلك لا يجب حتى وان كانت له مبرراته ـ ان يتم على حساب هوية المدينة وخصوصية الناس، فالهوية والخصوصية، والإنسان ومدينته ثنائيات لا تنفصل، ولا يمكن وجود واحدة في ظل غياب الأخرى.

يمكننا أن نرمم القديم، وان نبني بيوتاً بمواصفات فائقة الجودة تصمد طويلاً أمام متغيرات الجو القاسي، يمكننا إيجاد بدائل للبيوت التي يتركها سكانها بان تمنح للأسر الصغيرة مثلاً بعد أن يعاد ترميمها وتعديلها بمواصفات عالية.

بينما تنتقل الأسر الكبيرة إلى أحياء أخرى، لكن لا يجب دائماً أن نسكن أحياءً لمدة عشرين عاماً ثم نهجرها لأخرى مقدمينها ببساطة لعبث الآسيويين يدمرونها كما يشاءون، بينما نكتفي نحن من الغنيمة ببعض الدراهم كإيجار!!

sultan@dmi.gov.ae