هناك أشخاص لم يحلموا يوماً أن يصيروا شيئاً فصاروا مديرين وأصحاب مراكز، وانضموا إلى قوائم الناس المهمين جداً!! قليل من هؤلاء يحمدون الله ويشكرون من أوصلهم على اعتبار أن من لا يشكر الناس لا يشكر الله.
وبلا شك فإن لكثيرين فضلا عليهم فيما وصلوا إليه.. أما الكثير من هؤلاء الذين أصبحوا مهمين جداً، فإن أول ما يفعلوه بعد دخولهم نادي الكبار هو قطع الصلة بالماضي، الماضي بكل ما فيه ومن فيه وارتداء قناع آخر وأحياناً التسمي بأسماء أخرى!!
أحد هؤلاء، لم يصدق نفسه أن صار مديراً، فصار يتظاهر ويظهر أمام جميع زملائه ومن كان يعمل معهم مردداً بأنه صار مديراً، فاهمين يعني شو مدير؟ يا سيدي ألف مبروك وبالرفاه والدرجات العليا، ولكن ماذا يعني كون شخص أنه مدير؟ ألا يعني بأنه ما زال موظفاً حكومياً ولكن بدرجة أعلى مما كان عليه سابقاً؟
ذكرني هذا الرجل بسيدة كانت ترى في مركزها كمديرة فرصة ذهبية للنيل من كل زميلاتها اللواتي عملن معها لسنوات طويلة، فرصة للتنكيل بهنّ، واستعراض قوة مركزها ونفوذها أمامهن، مرددة بمناسبة وبلا مناسبة أحياناً عبارتها الأثيرة:
لا تنسوا بأنني المديرة هنا، حتى حولت المكان إلى فريقين فريق يخاف منها فيتجنبها بالنفاق والمجاملات وفريق ينفر منها ويتمنى عدم وجودها، والمصيبة أن التصنيف والترقي في المؤسسة صار وفقاً لمبدأ من لم يكن معي، فهو ضدي، ومن كان معي يترقى ومن كان ضدي يتحمل نتيجة موقفه!
ومن خلال ما نرى ونسمع ونعاين بالتجربة والبرهان، فإن هناك أعداداً لا حصر لها من المديرين يقعون فريسة المنصب العالي والكرسي الذي لا ترد أوامره ولا تقاوم إغراءاته، هؤلاء عادة ما يجمعون حولهم أسوأ النوعيات في المؤسسات.
أولئك المداهنون، أصحاب المصالح الشخصية الضيقة، المجاملون بلا حساب والمنافقون حتى النخاع، هؤلاء لا تهمهم مصلحة العمل ولا الموظفين، هؤلاء لن يتبرعوا يوماً ليقدموا ملاحظة أو نقداً أو تصحيحاً أو نصيحة، هؤلاء هم حزب: كله تمام وكل شيء جيد يا سعادة المدير!
هؤلاء هم الذين يقودون المؤسسات للهاوية بقيادة السيد المدير المهم جداً، ولذلك فإنه في بعض المؤسسات العملاقة في بلاد العالم المتحضر لا يكتفون بإعداد المدير الكفء إدارياً، ولكنهم يعدونه نفسياً لتقبل وضعه والتعامل معه بتوازن، فأنت مدير يعني أن تتحمل مسؤوليات أكثر، وأن تقود المؤسسة.
ومن فيها نحو الأفضل وبأقل قدر من الخسائر وأعلى قدر من الأرباح ولكن بإشراك الجميع دون استثناء بلا تعالٍ وبلا فوقية، وبعيداً عن سياسة تصفية الحسابات القديمة!