أصبح عدد من المهتمين بما يجري في العراق يطلق تسمية الحرب الأهلية غير المعلنة على ما يدور هناك من عمليات عنف لأنها في بعض منها تستهدف أماكن ومزارات مقدسة وأماكن للعبادة سواء للسنة أم للشيعة.

وخطورة هذا التوصيف للوضع العراقي انه يعطي شرعية لاستمرار الاحتلال الأميركي له فضلا عن انه يسحب شرعية ضرورية لعمليات المقاومة المسلحة للاحتلال الأميركي على الأخص لأن جزءاً من العمليات، وليس كلها بالتأكيد، موجه ضد قوات الاحتلال.

وهذا التحليل ينطلق من تحذيرات متعددة صدرت قبل العمليات العسكرية الأميركية ضد العراق أشارت إلى أن الوضع الفسيفسائي المذهبي والعرقي هناك ينذر بحرب أهلية.

وإلى أن احد الايجابيات القليلة لنظام صدام حسين هو انه استطاع تجميد الصراعات التي تتخذ أبعادا على أساس ديني مذهبي أو على أساس ثقافي عرقي، وبالتالي فان زوال هذا النظام يمكن أن يخرج المارد العرقي والمذهبي من قمقمه. ويفسر أصحاب هذا التحليل.

وهم بصدد تأكيد فشل العملية العسكرية الأميركية في العراق، ما يحدث في العراق حاليا من هذه الزاوية الضيقة من دون النظر إلى مدى صحة أو خطأ هذا التحليل ومن دون النظر أيضا إلى أعماقه لأنه له مدلولات متعددة وخطيرة لابد من أن تخضع للفحص والتحليل.

والذي زاد من خطورة هذا الأمر إن بعض الحكام العرب وهم يقدمون مبررات للولايات المتحدة حول تأخر عمليات الإصلاح في بلادهم، أو وهم يسعون لاستبدال عمليات التغيير بتنفيذ مطالب أميركية بالنسبة للعراق طرحوا فكرة أن خروج القوات الأميركية الآن من العراق سوف تفتح الباب أمام الحرب الأهلية التي تبدو بوادرها في الأفق حسب زعم أصحاب هذه الآراء.

وبالطبع يحاول بعض المحذرين من هذا الخطر الإيحاء بان إيران تسعى لمثل هذه الحرب من اجل توسيع نفوذها الإقليمي كمحاولة منهم لتدخل أميركي ضد الشيعة وضد إيران بما يحقق مصالح إقليمية لدول أخرى في المنطقة ومنها إسرائيل بالطبع.

وينطلق أصحاب هذه التحليلات من تجارب أخرى مازالت حية أمامنا وهي ما نتج عن سقوط الأنظمة الشمولية في الدول متعددة القوميات والديانات في أوروبا الشرقية.

وبعضها شهد حروبا ضروسا أدت إلى انقسام الدول وتفتتها، وهم يعتقدون أن تجربة الحكم الشمولي في العراق لن تكون استثناء من ذلك.

ولكن هذا الأمر يتجاهل عنصرا أساسيا وهو ما كان يعتمل في ذهنية سكان أوروبا الشرقية من ميراث سيء نتيجة ممارسات الدولة العثمانية إزاء غير المسلمين وان ما حدث بعد سقوط الأنظمة الشمولية ما هو إلا استعادة لحروب سابقة توقفت خلال حكم هذه البلدان بالحديد والنار.

أما العراق فعلى الرغم من سيطرة نظام شمولي على الحكم فيه وعلى الرغم من تولي السنة وهم الأقلية عدديا مقاليد الحكم منذ الاستقلال وحتى سقوط صدام حسين، إلا انه لا يوجد ميراث من النزاع بين السنة والشيعة على نحو جماعي بما يهيئ المناخ لحرب أهلية متصورة.

ويمكن القول إن كل أطياف الساحة العراقية يدركون أن كل عراقي كان مضطهدا من حكم صدام حسين ماعدا قلة كانت مشاركة في الحكم، الأمر الذي ينفي أن الاضطهاد يعود لأسباب عرقية أو مذهبية وهو ما يلغي أي دوافع للانتقام الجماعي على النحو المتوقع.

وإذا كانت قد حدثت بالفعل محاولات للتطهير العرقي في بعض المدن فإن ذلك كان وراءه إزالة آثار إجراءات اتخذت من قبل النظام السابق وهو يحتضر ولم يكن نتاجا لعمليات جماعية من قبل عرق أو مذهب على حساب عرق أو مذهب آخر. وقد تدخلت القيادات المذهبية والعرقية في العراق على الفور لوقف هذه العمليات الأمر الذي أكد نضج هذه القيادات .

وفي نفس الوقت أزال المخاوف من قيام الحرب الأهلية لأن مثل هذه الحروب تتطلب أولا قيادات غير مسؤولة يطلق عليها أمراء الحرب على النحو الذي توفر في يوغوسلافيا السابقة وأيضا في الصومال وإلى حد ما في لبنان ونحمد الله انه غير موجود بالعراق في الوقت الراهن على الأقل.

ولاشك أن بعض العمليات التي نفذت في العراق كانت موجهة ضد مزارات شيعية مقدسة وهو ما أثار ردود فعل مشابهة على الجانب الشيعي بمحاولة استهداف مساجد أو أحياء سنية .

ولكن هذا الأمر كان في حده الأدنى بسبب وعي قيادات الطرفين بمنفذي مثل هذه الاعتداءات وأهدافهم منها وهم على الأغلب التابعون لأبي مصعب الزرقاوي، ولديه موقف مسبق من الشيعة لا يمكن أن ينسحب على مجمل السنة العرب ولا على السنة من سكان العراق.

وهناك من المحللين العرب من يلقي على الولايات المتحدة اللوم بالنسبة لهذه العمليات على أساس أنها هي المستفيد الوحيد منها ولكن ذلك لا يقف على أساس، خاصة بالنسبة لمن هم على دراية بالزرقاوي وتصوراته الفقهية، وانطلاقا من ذلك يمكن القول من دون مبالغة ان ما يحدث في العراق ليس حربا أهلية .

ولن يكون في القريب العاجل ولكن هو عبارة عن فراغ سياسي ناتج عن الفوضى الأمنية التي نتجت عن سقوط النظام الذي كان يحكم العراق بالحديد والنار وحتى حينه لم تستطع الولايات المتحدة التي أسقطت هذا النظام أن تحدث الاستقرار المطلوب.

وذلك لأنها حسبما قال الان جريش قبل العمليات بوقت قصير إنها لم تستعد لليوم التالي. وهذا الأمر مبرر كاف لكي ترحل قوات الاحتلال وليس مبررا لاستمرار بقائها حسبما يزعم أصحاب تحليلات الحرب الأهلية.

وبالتالي فإن عودة الاستقرار السياسي إلى العراق سوف ينفي تماما أية مخاوف من اندلاع الحرب الأهلية وهو ما يعطي الفرصة لكل من قوات الجيش العراقي وأيضا لقوات الأمن لكي تحكم قبضتها على الوضع الأمني بما يزيل أية مخاوف بهذا الشأن على الإطلاق.

والذي يجب أن نشير إليه أن حديث الحرب الأهلية لا يتقدم إلى الواجهة إلا في الفترات التي تكون فيها العراق تواجه أزمة سياسية فتنطلق الأصوات المحذرة من مثل هذه الحرب، حدث ذلك قبل الانتخابات التشريعية والتي كان السنة يهددون بمقاطعتها.

وأيضا قبل الاستفتاء على الدستور العراقي الجديد والآن بسبب الأزمة حول تشكيل الحكومة الجديدة واعتراض بعض التيارات على رئاسة إبراهيم الجعفري لها.

وأصحاب هذه المخاوف لا يدركون أن آليات المشاركة القائمة حاليا في العراق تسمح بحل النزاعات بين الفقراء بصورة ديمقراطية من دون اللجوء إلى العنف، وهذا الأمر في حد ذاته أقوى حائط لصد مخاطر الحرب الأهلية في العراق.

كاتب مصري