هل يمكن لأي منّا تصوُّر أن هناك ما يقارب الـ 3000 محطة تلفزيونية فضائية تبث إرسالها وموادها لمواطني العالم العربي، بكل ما تتضمنه هذه المواد من موضوعات ومواد ورسائل وقيم قد تضرب صميم القيم الاجتماعية والدينية عند المواطن العربي؟ قد يبدو الرقم مبالغا فيه،
وسواء كان كذلك أو كان الرقم حقيقياً، فقد صار واضحاً أن الفضائيات التلفزيونية في عالمنا العربي قد خرجت من قمقم التصنيفات التقليدية المعروفة، لم تعد حكومية وخاصة فقط، ولم تعد فنية وإخبارية فقط، ولم تعد حرفية أو ضعيفة المستوى فقط، فالآتي أخطر وأكبر من ذلك!
نحن في العالم العربي، مقبلون خلال الفترة المقبلة على جيل جديد من القنوات الفضائية، مختلف في شكله وجوهره عن الموجود، لكنه لا يقل ـ إن لم يزد ـ خطورة وتأثيراً!
فضائياً وتلفزيونياً، نحن لا نتعلم بطريقة التجربة والخطأ، في الحقيقة نحن لا نتعلم، نحن نتعوّد، وبعد كل موجة عاتية من البرامج المغايرة لتوجهات مجموعة القيم، نجد أن الموجة تهدأ والمشاهدين يتحولون من معارضين إلى متقبلين،
وتسير الأمور كأن شيئاً لم يكن، وتذكروا معي كيف قابل الناس موجة برامج تلفزيون الواقع من شاكلة: سوبرستار، وستار أكاديمي، والوادي.. وما شابهها، تذكروا كيف قامت الدنيا ولم تقعد، ثم انظروا اليوم إلى ماذا انتهت الأمور، ستار أكاديمي لا يزال يُعرض، والناس نسيت الحكاية من دون أن يتغير شيء! هذا هو منطق الفضائيات ومنطق السوق.
في هذه الأيام، وأنت تقلِّب سيل الفضائيات بجهاز التحكم، ستفاجئك قنوات في طريقها للإشهار والبث، قنوات ذات صبغة دينية مذهبية، شيعية أو سنية، ولن نعدد أو نذكر، فيكفي الاسم للاستدلال على التوجه، وهنا تكمن الخطورة، فما حاجتنا لمزيد من الفرقة والشقاق على أساس مذهبي، ألا تكفينا الطائفية، والولاءات السياسية، والفضائيات الغنائية و..؟
في اعتقادي أن الأموال التي كانت تغذي الإرهاب زمناً تحت ذرائع وفتاوى عدة، والتي حوصرت وتم التضييق عليها دولياً، أصبحت تجد في القنوات الفضائية المذهبية متنفساً لبث أفكارها وإشعال فتائل حروبها التخريبية أولاً بأقل قدر من المواجهة مع الغرب والأنظمة الرسمية،
وثانياً على أكبر نطاق ممكن، ما ينذر بمزيد من الصدامات والخلافات والفرقة المذهبية بين أبناء الوطن العربي، الذي يعجّ بمختلف الطوائف والمذاهب والأعراق والإثنيات، ما يجعلنا نتخيل الكوارث الممكن حدوثها إذا نقلت هذه الطوائف صداماتها عبر الفضاء وصارت تتحارب معاً فضائياً!
هناك استخدام جيد للرموز الدينية عبر هذه الفضائيات، وتوظيف خطير للأموال المتدفقة في المنطقة، وإصرار على إشعال المزيد من الفتن تحت عباءة الدين، في عالم لم ينج بعد من سموم سياسات المستعمرين القديمة «فرِّق تسد» ولكن وفق آليات وأدوات العصر!.