سيد عمر هو قبطان عبارة الموت «السلام 1998»، رسمياً هو في عداد ضحايا الكارثة، التي أودت بحياة أكثر من ألف مصري في قاع البحر الأحمر قبل أسابيع البعض لديه اعتقاد أنه حي في مكان ما، لكن ذلك لن يغير شيئاً أو يعيد الضحايا أحياء.
تسجيلات محتويات الصندوق الأسود عن اللحظات الأخيرة، ما قبل الغرق، كشفت المزيد مما يمكن أن نطلق عليه الكوميديا السوداء، لجنة تقصي الحقائق التي شكلها البرلمان اتهمت القبطان وطاقم العبارة والشركة المالكة بالإهمال، رئيس اللجنة النائب حمدي الطحان قال إن صوت القبطان سيد عمر كان هادئاً جداً في التسجيلات ولا يتناسب وحجم الكارثة، وانه لم يطلق إشارة الاستغاثة إلا بعد أن بدأت العبارة في الغرق.
الطحان قال أيضاً إن القبطان وقبل الغرق بلحظات اكتفى بتشجيع مساعده في عمليات الإنقاذ وكان يقول له «الله ينور»، ثم سأل مساعديه بالقول «فين الجاكيت بتاعي»، ونطق الشهادتين ثم اختفى!
صاحب العبارة ممدوح إسماعيل هارب في لندن الآن، هو عضو في مجلس الشورى، رغم أنه لم يضبط متلبساً في يوم من الأيام بالعمل السياسي الرجل كان مطمئناً إلى أنه لا أحد يستطيع أن يحاسبه، وهو ما بدا من أحاديثه بعد الكارثة، بحكم علاقاته الواسعة مع مسؤولين كبار،
مجلس الشورى أخذ وقتاً طويلاً قبل أن يرفع الحصانة البرلمانية عنه قبل أيام، لكنه كان قد هرب بالفعل مستمتعاً بأجواء لندن الربيعية، ويقال إنه يفكر في تغيير اسم الشركة بأكملها إلى شركة النهضة للملاحة البحرية للهرب من الملاحقات القضائية، وكأن تغيير الاسم سيغير الواقع.
أطراف كثيرة في الحكومة حاولت تحميل المسؤولية للقبطان الغريق بحيث يتم إنهاء القضية وتسجيلها ضد ميت، لكن عنف الغضب الشعبي منع ذلك حتى الآن، واضطر وزير النقل للإعلان بأن التحقيقات لا تزال مستمرة.
لكن وبغض النظر عما ستنتهي إليه التحقيقات التي ستدين بشكل قانوني هذا الطرف أو ذاك فالمؤكد أن القضاء لن يتطرق إلى المسؤولية السياسية والأخلاقية، بحكم انها ليست اختصاصه.
وتلك هي المشكلة بالضبط، وربما تلك هي آفة ما يحدث في مصر الآن، أي تحميل المسؤولية في كل كارثة شهدتها مصر في السنوات الأخيرة للضحايا! جملة «الله ينور» الخالدة التي أطلقها القبطان، تذكرنا بضحكات نيرون وهو يرى روما تحترق، هذه بالضبط هي الفلسفة التي تكاد تكون مستشرية في مصر الآن، ربما هي ليست وليدة اللحظة،
فقد فعلها المشير عبد الحكيم عامر المسؤول عن الجيش المصري حتى كارثة يونيو 1967، جمال عبد الناصر جمع قادته قبل النكسة بأيام وأخبرهم بوضوح أن المعلومات الاستخبارية المتوفرة لديه تؤكد أن إسرائيل ستهاجم مصر صباح يوم الاثنين الموافق 5 يونيو،
وسأل عبد الناصر عبد الحكيم عامر عن استعداداته، فرد عليه عامر بوضع يده على رقبته قائلاً «رقبتي يا ريس» في إشارة إلى أن كل شيء تمام وأن الجيش مستعد لمواجهة العدو، والنتيجة نعرفها جميعاً وما زلنا نعاني منها حتى الآن.
لكن الفارق الجوهري بين مرحلة «الله ينور» ومرحلة «رقبتي يا ريس» تكمن ببساطة أنه رغم فداحة الهزيمة عام 1967، كان هناك مشروع وطني وقومي في مصر، وكانت هناك إرادة للتحدي والبناء وكان هناك عبد الناصر نفسه الذي تحمل المسؤولية بشجاعة وبدأ في إعادة بناء الجيش على أسس جديدة ما مكن البلاد لاحقاً من تصحيح ما حدث حتى لو كان بطريقة جزئية في أكتوبر 1973.
في تقديري الشخصي ربما كان القبطان سيد عمر هو آخر ما يمكن أن نوجه له اصبع الاتهام، فالرجل وجد نفسه في مناخ يستطيع أن يفعل فيه ما يحلو له، يقود عبارة في عرض البحر تملكها شركة تحتكر كل النشاط البحري بين مصر والسعودية، لا جهة تسأله عن إجراءات السلامة لا يحرص على توفير المعدات البديهية الخاصة بالاتصال أو على الأقل ضمان سلامتها وكفاءتها،
وبالتالي فحتى لو تأخر في إرسال الاستغاثة فلا مشكلة، وربما أرسلها لكن من تلقاها لم يهتم، وربما اهتم وأوصلها إلى أولي الأمر، وربما كان هذا المسؤول أو ولي الأمر هذا نائماً، أو كان مستيقظاً وكان الأعلى منه نائماً.. وهكذا.
هي سلسلة متراكمة من الإهمال والتقصير وعدم الكفاءة أدت إلى ما حدث.. هو نفس السيناريو الذي حدث في قطار ركاب الصعيد، وفي مسرح بني سويف، وفي التعامل مع مرض إنفلونزا الطيور الذي أصبح انتشاره في مصر الأعلى في العالم الآن.
لا أحد يعلم أو يفهم لماذا لم تتحرك الحكومة منذ البداية لتلقي القبض على ممدوح إسماعيل، وتحاكمه علناً، حتى لكي تمتص غضب الرأي العام ولا أحد يفهم سر محاولات تبرئته، أو يفهم سر هذا الصمت الرهيب والمريب على تهريبه.. من هو هذا الرجل، ومن يحميه، وكيف وصلنا لنعيش في «زمن ممدوح إسماعيل» كما وصف أحد الكتاب بحق؟!
بالمنطق السياسي البسيط ينبغي أن يكون هناك تحرك ما من الأطراف التي لا تزال تملك عقلاً حتى لا يفلت الزمام تماماً، وبدلاً من غرق العبارة فقط، فقد نجد كل المركب غارقاً، إذا استمرت سياسة «الله ينور».
emadiraqi@yahoo.com