أسفرت الحرب العالمية الثانية عن تقاسم أوروبا بين أنظمة رأسمالية تظللها الولايات المتحدة الأميركية وأخرى اشتراكية يقودها الاتحاد السوفييتي، وكان واضحاً وموضوعياً بعد سقوط النازية والفاشية أن يتحول الصراع الرئيسي في العالم إلى صراع بين المعسكرين الرأسمالي والاشتراكي اللذين كانا حليفين ضد النازية وخاضا حرباً ضروسا كلفت البشرية خمسين مليون قتيل،
وعلى أية حال استفاد الاتحاد السوفييتي من انتصاراته في الحرب وجعل من دول أوروبا الشرقية التي حررها من النازية دولاً حليفة له توجهت لبناء أنظمة اقتصادية واجتماعية (اشتراكية) شبيهة بما كان عليه الحال في الاتحاد السوفييتي نفسه،
ووقعت جميعها تحت هيمنته، كما استفادت الولايات المتحدة من مشاركتها الرئيسية في تحرير أوروبا الغربية ومن جهودها في إعمار بلدانها التي دمرتها الحرب من خلال مشروع مارشال ومن وجود قواتها العسكرية في بعض بلدان أوروبا الغربية وخاصة في ألمانيا(التي لا تزال القواعد العسكرية الأميركية موجودة فيها حتى الآن) وتوجهت لإقامة أنظمة رأسمالية في هذه الدول على عكس ما جرى في بلدان أوروبا الشرقية.
بدأت القوى الحاكمة (السياسية والاقتصادية) في بلدان أوروبا الغربية وفي الولايات المتحدة بعد الحرب تخشى من أمرين، أولهما امتداد النفوذ السوفييتي إلى أوروبا الغربية سواء كان بوسائل عسكرية أم بغيرها بهدف الهيمنة على هذه البلدان،
وثانيهما تعاظم قوة الأحزاب الشيوعية في بعض بلدان أوروبا الغربية وخاصة في إيطاليا وفرنسا واحتمال توليها السلطة بطريق صناديق الاقتراع، وكان خوف الغربيين (أوربيين وأميركيين) خوفاً جدياً غير مبني من فراغ حيث كانت تتوافر الشروط الموضوعية لانتصار أحزاب شيوعية في هذا البلد أو ذاك، في الوقت الذي يتزايد فيه النفوذ السوفييتي،
إضافة إلى أن الصراع بين الطرفين الرأسمالي والاشتراكي لم يبق في إطار أوروبا وحدها بل انتقل إلى البلدان التي كانت تستعمرها وبدأت تحصل على استقلالها وتقيم نظماً اجتماعية واقتصادية اقرب إلى النظام السوفييتي منها إلى النظام الرأسمالي ولاقت دعماً وعوناً ومساعدات من الاتحاد السوفييتي في مسيرة استقلالها وتحررها وفي مسيرة بنائها الاقتصادي والاجتماعي وتنفيذ خطط تنميتها،
ولذلك صار الصراع بين الطرفين كونياً ولم يعد أوروبياً وما لبث أن أخذ طابع الحرب الباردة التي لا تنقصها سوى شرارة لتتحول إلى حرب ساخنة بعد تكدس الأسلحة واحتقان السياسات العالمية وتعمق الصراع في النصف الثاني من القرن العشرين.
في ضوء هذه المعطيات رأت الولايات المتحدة ووافقتها الدول الأوروبية الغربية التي استفادت من وجودها ودعمها الاقتصادي والسياسي تأسيس منظمة موحدة لهذه الدول ذات طابع عسكري بالدرجة الأولى، فأنشأت ما سمي (منظمة معاهدة شمال الأطلسي) أو حلف شمال الأطلسي أو حلف (الناتو) في عام 1949،
ضمتها جميعاً بالإضافة إلى تركيا واليونان وكانت مهماتها الأساسية مهمات عسكرية بامتياز تهدف لمواجهة أية محاولة نفوذ سوفييتية من جهة وقمع أية قوة داخلية قد تستلم السلطة في هذه البلدان من جهة أخرى.
انتظر السوفييت بضعة سنوات فأسسوا حلف وارسو عام 1955، ورغم أن مبادئ هذا الحلف كانت تشير إلى أنه يسعى للتعايش السلمي لكن الواقع كان يؤكد أنه كان حلفاً عسكرياً رداً على تأسيس حلف شمال الأطلسي.
وهكذا شكل كل من القطبين قواته العسكرية وأنظمته السياسية والاجتماعية والاقتصادية واستعد للمواجهة، وفي الواقع هيأ الصراع والحرب الباردة إلى تأسيس قوتين متواجهتين لا يمنعهما من الصدام سوى توازن الرعب (العسكري والنووي خاصة)،
وكان المهم بهذا التشكل هو التوازن العسكري وصعوبة أن يخرج أي بلد دخل أحد الحلفين منه خوفاً من إعادته بالقوة العسكرية تحت شعار حمايته، وهذا ما نفّذه حلف وارسو في هنغاريا 1956 وفي تشيكوسلوفاكيا 1968 عندما حاولت قوى سياسية إقامة نظام مختلف في كل من البلدين،
وأعيدتا بالقوة العسكرية إلى حظيرة حلف وارسو والاتحاد السوفييتي، وكاد الأمر نفسه يحصل في إيطاليا وفرنسا في الطرف الآخر في خمسينات القرن الماضي وفي ستيناته.
بقيت قوات الحلفين (الأطلسي ووارسو) مهتمة بأوروبا، ولذلك افترض البعض بعد سقوط الاتحاد السوفييتي والأنظمة الحليفة له في أوروبا الشرقية وحل حلف وارسو أن حلف شمال الأطلسي سيحل نفسه،
حيث لم يعد هناك أي مبرر لوجوده بعد أن تلاشت القوة العسكرية الرئيسية التي كانت تواجهه، لكن الذي حصل هو على العكس من ذلك فقد أخذ حلف شمال الأطلسي ينفذ مهمات خارج أوروبا الغربية، فشمل نفوذه وتحالفه معظم بلدان أوروبا الشرقية (التي كانت واقعة تحت النفوذ السوفييتي سابقاً)،
ثم تواجد في وسط آسيا منطلقاً من قواعده في تركيا، وشارك بشكل رسمي في أفغانستان (ومازال يشارك)، وبدأت عينه تنظر إلى افريقيا والبلدان العربية، وكانت آخر نشاطاته في هذا المجال عقد اجتماع في المغرب شاركت فيه ست دول عربية وإسرائيل،
قرر ـ مما قرر ـ أن تشارك ثلاث دول عربية وإسرائيل في نشاطاته العسكرية المقبلة، ويكون الحلف بذلك امتد ليشمل جنوب المتوسط وبعض البلدان العربية إلى جانب إسرائيل ويخطط لمد نفوذه إلى مناطق أخرى في العالم.
يبدو أن الولايات المتحدة الأميركية تحاول أن تجعل من حلف شمال الأطلسي (الذي لم يعد أطلسياً فقط) رأس حربة لنفوذها العسكري ولتواجدها العسكري، ومادام وجود هذا الحلف تحقق رسمياً في أفغانستان فمن يمنعه أن يقفز لجنوب شرق آسيا،
ولأنه تحقق في شمال افريقيا فمن يمنعه أن يقفز إلى القرن الافريقي وبلدان افريقيا جنوب الصحراء، ويصبح حلفاً للأطلسي والمتوسط والهادي والعالم كله وتصبح القارات مفتوحة أمامه ومع أن ظاهره ينبئ بأنه حلف دولي
وليس نفوذاً عسكرياً أميركياً بينما واقع الحال ـ وفي الغالب الأعم ـ يؤكد أن السياسة الأميركية هي التي تضع مشاريعه وتهيمن عليه هيمنة كاملة أو شبه كاملة. إن تواجد حلف شمال الأطلسي لا يقتصر في الواقع على وجود عسكري فقط بل يتجاوزه إلى فرض هيمنة أميركية،
وإقامة أنظمة سياسية واجتماعية واقتصادية موالية تقع في إطار (الأمركة) والأخطر بالنسبة للعرب هو تحول جيوشهم من جيوش مواجهة مع العدو الإسرائيلي إلى جيوش حليفة تتشارك مع جيشه في التدريب والمهمات في ظل حلف شمال الأطلسي وتنفيذاً لسياساته.