ينص برنامج حزب كاديما، الذي كلف زعيمه إيهود أولمرت بتشكيل الحكومة الإسرائيلية المقبلة على انه «عند التفاوض حول الحدود الدائمة، ستحتفظ

إسرائيل بالمناطق الأمنية الضرورية والقدس الموحدة عاصمة أبدية للشعب اليهودي،

والأماكن ذات الأهمية القومية والتاريخية، فضلا عن الكتل الاستيطانية الكبيرة..». ويمضى البرنامج إلى إن «أية تسوية لن تشمل إمكانية السماح للاجئين فلسطينيين بدخول إسرائيل، وسوف يستكمل بناء الجدار الفاصل في أسرع وقت..».

بهذه النقاط المقتضبة يكون أولمرت وبطانته قد صادروا على المطلوب من التفاوض حول كل قضايا الوضع النهائي على المسار الفلسطيني، القدس واللاجئين والاستيطان والحدود الدائمة التي تشمل تلقائيا مصادر المياه .. ولنلاحظ هنا لغة الحسم والاستعلاء المستخدمة في عرض الأهداف المتوخاة.

فبرنامج حزب كاديما لا يتحدث عن أنهم سوف يفاوضون حول هذه القضايا أو حتى أنهم سيجتهدون كي يبلغوا أهدافهم تفاوضياً، وإنما يقطع بصرامة أن إسرائيل «ستحتفظ عند التفاوض بكذا وكذا..».

البرنامج بصيغة أخرى، يشير إلى الإملاءات التي تزمع حكومة أولمرت، ومن يأتلف في رحابها، فرضها على الجانب الفلسطيني المفاوض. وبالمناسبة فإن هذا المفاوض بدورة ينبغي أن يكون مرضياً عنه ومقبولاً من لدن إسرائيل.!

نحن والحال كذلك نجادل بأن كل المعنيين سوف يستقبلون حكومة إسرائيلية قررت سلفاً وبشكل انفرادي ما الذي يفترض أن تصل إلية عملية التفاوض. ومثل هذا الموقف الممهور بلغة الحتم والصلف،

يثير التساؤل عما إذا كان المسار الفلسطيني بصدد ما يصح وصفها بعملية تفاوضية من الأصل. فالخطوات الأحادية مبثوثة في صلب توجهات الحكومة الإسرائيلية المقبلة بعض النظر عن القوي التي ستنضوي فيها وكذا في وجود شريك فلسطيني من عدمه.

الأهم من هذا أن المرء قد لا يجافى الصواب عندما يدفع بأن الخطوات الأحادية على مسارات الصراع والتسوية مع العرب جميعهم، لم تغب عموما من أفق المشروع الصهيوني، قبل قيام إسرائيل الدولة وبعده.

وذلك على الرغم من توالى القوى الحزبية على مركز التوجيه والتحكم في صناعة القرار.. وربما كان الشيء المتغير في إطار هذا الأسلوب هو فُرص وحظوظ هذه القوى وخطواتها الانفرادية من المرور أو الإخفاق ومواجهة العراقيل في مختلف مراحل الصراع وعلى هذا المسار أو ذاك مع الإطراف العربية.

نود القول ان مفهوم الحلول الانفرادية من جانب واحد لا ينتمي في التحليل الأخير إلى أرييل شارون وخليفته أولمرت ولا هو من مبتكراتهما السياسية .. بل هو أقرب إلى ثوابت التعامل الصهيوني الإسرائيلي مع الأطرف العربية التي قدر لها الانغماس بشدة في مسارات الصراع ومداراته.

وإذا كان أولمرت ومن قبله شارون قد قرنا توسلهما بهذا المفهوم بضرورة التشاور مع الظهير الأميركي، عوضا عن التفاوض الحقيقي مع العرب، الفلسطينيون بخاصة، فإن أسلافهما من كبار زعماء الصهيونية، الحركة والفكرة ثم الدولة، فعلوا ذلك في مراحل سابقة وبالنسبة لقضايا حيوية أخرى.

قبل 1948، لم تستشر الصهيونية الفلسطينيين والعرب بشأن مشروعها الاستيطاني. وقد صدر كل من تصريح بلفور وصك الانتداب على فلسطين ومقترحات تقسيمها بالإضافة لفتح أبوابها أمام المستوطنين (المهاجرين) اليهود، بمعزل عن أية مفاوضات جادة مع أهل البلاد وممثليها.

لقد جرى التفاوض بشأن هذه الخطوات المصيرية بالنسبة لفلسطين وأهلها وللمنطقة العربية مع القوى الغربية الفاعلة دوليا (استعماريا). وبعد 1967، أعلنت إسرائيل ضم القدس وتوحيدها ثم ضم الجولان إليها،

وقامت باستزراع مستوطناتها في طول الأراضي المحتلة الفلسطينية والعربية وعرضها، وفرضت عملتها وكثيرا من قوانينها على اهل هذه الأراضي دون سند تفاوضي مع أحد من الفلسطينيين أو العرب.

هناك إذاً شواهد ومؤشرات كثيرة على أن الأخذ بالخطوات الأحادية والحلول الانفرادية تقليد إسرائيلي قديم متجدد .. شواهد تؤكد أن إسرائيل تميل إلى إعمال مبضعها في جسد القضية الفلسطينية بحسب أهوائها ومصالحها الذاتية .. وإذا ما استدعت خطوات بعينها منهجية التفاوض فإنها تفعل ذلك مع القوى الدولية التي يعنيها

رضاؤها أو حمايتها أو أقله تحييدها وكف ضغوطها المضادة. وربما كان لافتا أن الصهانية الأوائل كما فاوضوا بريطانيا العظمى وبضعة دول فاعلة في النظام الدولي على مستقبل فلسطين،

فإن حلفاءهم اهتدوا بهذه الشعيرة ذاتها لاحقاً. وها هو أولمرت يجهر راهناً بنيته للتفاوض على خطواته الأحادية المقترحة مع واشنطن. وهكذا فإن الصهاينة يكررون في النهايات ما اقترفوه من خطايا البدايات، مؤكدين صحة المقولة بأن «من لا يستحق يفاوض من لا يملك» !.

على أنه يمكن بيان سخافة هذا التوجه وعدم نجاعته من البداية إلى النهاية. فكل ما فعله الأجداد والأحفاد في سياق مشروعهم الاستيطاني لم يضمن لهم براءة تاريخية أو قانونية من الشعب الأصيل، الشعب الفلسطيني وممثليه.

وفى هذه النقيصة بالذات تكمن أكبر مواجع هذا المشروع ومواجده. إذ لا يمكن للقائمين على إسرائيل استشعار الاطمئنان والأمن والاستقرار بالمعاني المادية والمعنوية الأخلاقية والقانونية، بدون استلام صك هذه البراءة 00 وهذا ما يفترض أن يسوقهم قسراً إلى التلاقي مع حراس المشروع الوطني الفلسطيني والتفاوض معهم على حدود هذا الصك ومحتوياته.

والشاهد أنه في حال طبق أولمرت ورهطه رؤيتهم الأحادية، بمعزل عن شراكة فريق من أهل البيت الفلسطيني يحظى بتفويض شعبي ظاهر قوي، فإنهم إنما يقومون بتحقيق بعض المكاسب لبعض الوقت. تماماً كما فعل آباؤهم الأولون.

وثمة نصيحة وموعظة نهمس بها في اذان من يعنيهم الأمر.. هي أن الحلول الأحادية لا تفلح في حل معضلات الكيانات الاستيطانية سوى في حالة واحدة فقط: إبادة أو استئصال المجتمع الأصيل.. وهذا ما حدث في سابقة استيطان أميركا الشمالية.

لكن أين هذه السابقة من حالة فلسطين العامرة بأهلها الراسخين في تضاعيفها بالداخل والمتربصين بالعودة إليها على ضفافها وحدودها بالخارج ؟!. مصير فلسطين، بكلمات جامعة، غير قابل للحلول النهائية الأحادية. مثلا، يدعي أولمرت أنه يسعى برؤيته إلى دولة نقية يهودياً.

فكيف تستقيم دعوته هذه ومخططاته لابتلاع القدس الموحدة ؟ 00 كيف سيتعامل مع ربع مليون فلسطيني مرابطين في هذه المدينة ؟. هل سيجتثهم من الأرض بنظرية الترانسفير أم ينوى إبادتهم ؟!. فليجيبنا هذا الفذ ولكن بعلم وعقل إن كان من الصادقين أو حتى من العاقلين؟

كاتب وأكاديمي فلسطيني