حينما نأتي أطفالاً إلى الحياة، فإننا نقطع في الزمن مسافة طويلة حتى نتمكن من الكلام مباشرة، ومن التعبير عن أنفسنا واحتياجاتنا دون تلعثم أو احتماء باللف أو الدوران أو.. الكذب، هذه الأخيرة تحتاج من والدينا إلى عناية فائقة، ومنا إلى نفوس وتكوينات فائقة الشفافية وشديدة الحساسية تجاه الكذب والخوف.
مع ذلك فحينما نكبر، ونحذق فنون التعبير المباشر والوصول إلى ما نريد دون وسائل مساعدة أو ردات فعل غير ناضجة، نجد أنفسنا وفي أحيان كثيرة، نسقط في التردد وفي تلك الهوة العميقة من ردات الفعل الخاسرة، ونتساءل بعد هدوء العاصفة وبعد أن نكون قد ارتكبنا فعل الهروب أو الكذب على النفس والآخرين نتساءل: كيف نبدأ ؟ كيف ندخل إلى فضاء هذا الموضوع أو ذاك بشكل مباشر؟
كيف نبوح بما لدينا، بأقصر الطرق؟ فما بين الفم والأذن التي تنصت هناك طريق قصير جداً اسمه الحقيقة، و«كلمة تستحي منها ابدأ بها» كما تقول أمي وجدتي!!
غالباً ما يقودنا التردد إلى تأجيل مشاريع بوح عاجلة وأحياناً يجعلنا هذا التردد والتأجيل أسرى لأفكار وتخيلات تزيدنا قلقاً وتسلبنا الكثير من راحة البال والقلب.
بينما يكمن الخلاص من كل هذا القلق العبثي في فعل وحيد هو الدخول المباشر إلى قلب الكلام دون تأجيل للحظة المواجهة الحاسمة، سواء كان الكلام في مواجهة مشكلة أو قرار، أو إبداء رأي، أو حسم لاختيار ما، وسواء مع الأصدقاء أو الأهل أو في مكان العمل، كل ما نحتاجه هو الذهاب إلى المركز مباشرة، وبأقل قدر من الجمل الهلامية أو المقدمات الفاشلة، كل ما نحتاجه هو الكثير من الشجاعة، واللياقة للقفز فوق حواجز الخوف والتردد والأوهام التي نؤثث بها نفوسنا بشكل رديء وسيء!!
هذه حكاية كتبها شاعر عظيم اسمه «رسول حمزاتوف» في كتابه الشهير «وطني» يقول: عندما كنت طالباً في موسكو أرسل إلي والدي نقوداً لأشتري معطفاً يقيني الصقيع، وقد أنفقت النقود التي بعثها ولم أشتر المعطف، وعندما عدت إلى بلدتي «داغستان» في عطلة الشتاء كنت ألبس ما لبسته حين غادرتها إلى موسكو أواخر الصيف، وبمجرد وصولي إلى الدار حاولت أن أعتذر عما فعلت، مخترعاً أكاذيب وحكايات بعضها أكثر غباء وسخفاً من بعض، كي أبرر لأبي تبذيري المال الذي عانى من أجل توفيره لي لشراء المعطف.
يقول: فقاطعني والدي قائلاً: قف يا رسول، أريد أن أسألك سؤالين.
هل اشتريت المعطف؟
أجبت: لا.
وهل أنفقت النقود؟
وكان ردي نعم.
فقال: لماذا إذن تتعب نفسك في كل هذه الخزعبلات لماذا تخترع كل هذه المقدمات الطويلة التي بلا شك أنفقت وقتك من أجل أن تحيكها ؟ إنك ببساطة تكفيك كلمتان اثنتان لإيضاح ما هو مهم.
ويعقب رسول حمزاتوف: هكذا علمني أبي.
البعض يعلمه والده، والبعض تعلمه الحياة، والبعض لا يتعلم أبداً!!