مرت قبل أيام، الذكرى السنوية الثالثة، لأبرز حدث، في منطقة الشرق الأوسط، في الألفية الجديدة، ألا وهو سقوط العاصمة العراقية بغداد، في التاسع من أبريل عام 2003، على أيدي القوات الأميركية الغازية. ومنذ ذلك الحين، شهد العراق، أحداثاً جساماً، شاب فيها الناس، قبل أوانهم.

إن احتلال دولة كبرى، ليس بالأمر الهين، وذلك لأن ابتلاع بلد كالعراق، لا يعني بالضرورة، المقدرة على هضمه، فحدث كبير كهذا، لا تقتصر تداعياته، على ما تصوره، الإدارة الأميركية وحلفاؤها، مستهينة بعقول الناس، من أنها حرب بين الإرهاب والديمقراطية. فأهمية العراق الإستراتيجية، في منطقة الشرق الأوسط، تجعله ساحة لصراعات معقدة، ذات أبعاد جديدة، خاصة بعد أن قامت الولايات المتحدة، بإسقاط النظام العالمي، الذي يحترم استقلال الدول، ويُحرم التدخل في شؤونها الداخلية.

نحن لا نسمع، عن التقدم والبناء الذي يجري في العراق، إلا من خلال الاستماع إلى خُطب الرئيس الأميركي، فهو وطاقم إدارته، من يتحدث عن المنجزات، التي تمت، خلال السنوات الثلاث الماضية. ولا ندري إن كان السيد الرئيس وطاقمه، قد انتسبوا، إلى المدرسة المتميزة، التي أسسها، وزير الإعلام العراقي السابق. فهو كعادته، يُسوق للرأي العام الأميركي، صورة بعيدة عن الواقع، في خطبه التي كثرت في الآونة الأخيرة. ففي آخر خطاب ألقاه، في جامعة جون هوبكنز، في العاشر من أبريل الجاري، ربط بين احتلال العراق وأمن بلاده!!! قائلاً «الولايات المتحدة تنعم الآن بالأمن، ويبني العراقيون ديمقراطيتهم، رغم محاولات الإرهابيين إعاقة ذلك»، وحث القادة العراقيين طالباً: «الإسراع في التغلب على خلافاتهم، وتشكيل الحكومة».

معذرة أيها السيد الرئيس، أنا لا أصدق ما تقوله، فلدي أخبار أخرى، عن البناء الذي يجري في العراق، تردني من مصادر وثيقة، لا يرقى إليها الشك: من الشباب الذين لا يجدون فرصاً للعمل، من المصانع التي أغلقت بواباتها بسبب ندرة الطاقة الكهربائية، من طلبة الجامعات الذين يرون أساتذتهم يقتلون الواحد تلو الآخر، من المستشفيات التي يتناقص كبار المختصين في ردهاتها، من ربات البيوت اللواتي تتفاقم أمامهن صعوبات الحياة اليومية، من دور العبادة التي تتطاير فيها أشلاء المصلين، من المكتبة الوطنية التي أحرقت نفائسها، من المتاحف الذي نهبت محتوياتها، من المصارف التي انتفخت فيها حسابات اللصوص، من الساحات المهمة في العاصمة بغداد التي جُردت من رموزها التاريخية، من ملامح الحيرة التي ارتسمت على وجوه آلاف الذين استشهدوا دون أن يعرفوا لِمَ يُقتلون، من الطرقات والأزقة التي يتجول فيها الموت ساخراً من حياة عابثة يتمسك بها أناس لا يزالون يرون أملاً في غدٍ.... قد يأتي.

أي ضياع، يلف هذه الأرض، التي طالما حسد الآخرون ساكنيها، على وفرة مياهها، وتنوع ثرواتها، وكثرة كفاءاتها، وعراقة تاريخها، وما يتمتع به أبناؤها، من كبرياء وشمم، رغم عقود السنين القاحلة، التي تعتق فيها الحزن، ليصبح شجناً، يحرمهم من ابتسامة فرح حقيقية.

ما الذي يجري هناك، ألم يكن الساكنون الآن، في القصور الفخمة، التي خلت من الطغاة الذين شيدوها، هم من أغدق الوعود العذبة، التي شنفت آذان العراقيين المتعبة، من سماع الخطب المملة لحكامهم. ما الذي يفعله القادمون من صالات المنافي الفخمة، الذين منحهم، ملايين العراقيين، الثقة في الانتخابات الأخيرة، بعد أن جلسوا على الكراسي الوثيرة، التي فتحت لهم آفاق المال والجاه ؟. حلفاء الأمس، الذين تعانقوا، أمام كاميرات القنوات الفضائية، في مؤتمرات بيروت ودمشق وفينا وصلاح الدين، وأخيراً في مؤتمر لندن، هم فرقاء اليوم، يتحصنون في خنادق، تحرسها الميليشيات، للدفاع عن مكاسب ومغانم حصلوا عليها، في الظروف الاستثنائية، التي يمر بها العراق، غير عابئين، واعين أم غير واعين، بمصير بلد، استلموا مسؤولية الحفاظ عليه، فقد وصلت استهانتهم، بمصالحه ومصيره حداً، ضاقت به صدور الأغراب قبل الأقارب.

يرى بعضهم، أن المخرج، من الأزمة الخطيرة، التي تعصف بالعراق، هو خروج القوات المحتلة، ويرى آخرون، أن ذلك يتطلب تصعيد الحملة على الإرهاب، وحشد جميع الأسلحة لمحاربته، بدءاً من فتاوى المرجعيات العرقية والمذهبية، وانتهاء باستعمال جميع القنوات القتالية المتاحة. ويبدو أن الجميع قد تناسى أين تكمن المشكلة بالضبط ، وأين يكمن الحل.

أيها السادة، الذين تقودون العراق الجديد، ابحثوا عن المشكلة في أنفسكم، وسوف تجدون الحل، فمنذ ما يقرب من أربعة شهور، تعقدون اجتماعات يومية، دون أن يثمر عن هذه الاجتماعات، حلٌ ينهي الأزمة السياسية الحادة في العراق، ويوقف تدهور أوضاعه نحو الهاوية. لقد تعبت عقارب الساعة، وهي تدور آلاف المرات، أما أنتم، فلم تتعبوا من رؤية أنفسكم فقط، في مرآة لا تعكس غير مصالحكم الضيقة.

ألا ترون أيها السادة، بأن الديمقراطية، تعني أن الشعب هو مصدر السلطات، وان الشرعية تكمن في ما يراه المجلس النيابي المنتخب؟، فلم يُغيب هذا المجلس، ويُختزل في أشخاصكم فقط، وتُسلب صلاحياته لصالح صفقات تعقدونها فيما بينكم؟. فهل ما نشهده، في مؤتمراتكم الصحافية المقتضبة، وما لا نشهده من مداولاتكم خلف الجدران، يتفق مع المبادئ الديمقراطية؟، أم أنكم على وشك التوصل إلى مفهوم جديد، للممارسات الديمقراطية، لم يعرف من قبل؟ أم ان سنوات الغربة والمنافي، لم تستطع إضعاف الروح الفردية، المتأصلة في ثقافاتكم؟.

كاتب عراقي

majamal@emirates.net.ae