لم يعد «الخطاب الأيكولوجي» ترفاً فكرياً ولا رياضة علمية يزاولها الباحثون أو العلماء القابعون في أبراج الأكاديميا العاجية.. الخطاب الأيكولوجي هو الدعوة إلى تدبر أمر البيئة التي يعيش فيها إنسان عصرنا..
وهو أيضا توقي المخاطر التي باتت محدقة بكوكب الأرض الذي نعيش على متنه ولا نملك كوكباً غيره ـ على الأقل حتى كتابة هذه السطور ورغم تسليمنا بأهمية ما يتابعه الاختصاصيون في أميركا.
وفي غيرها من السبر العلمي لبيئات الكواكب الشقيقة لكوكب الأرض ضمن النظام ـ أو المجموعة الشمسية، يحدوهم في ذلك آمال عريضة وتؤرقهم أشواق بغير حد إلى التماس أي احتمالات لتوافر الماء ـ إكسير الحياة بكل معنى ـ فوق سطح واحد من تلك الكواكب التي استطاع العلم الفلكي أن يصل إلى متنها..
إلا أن هذه الأشواق مدفوعة بتحذيرات أهل البيولوجيا الحيوية والموارد المائية وعلوم النبات والبحار من أن أنشطة البشر باتت تهدد مخزونات المياه اللازمة لحياتهم .
وفي مقدمة هذه الأنشطة عوادم الصناعة ومخلفات الأنشطة الكيميائية وانبعاثات الكربون الناجمة بداهة عن عمليات الاحتراق الداخلي في جوف وسائل النقل الحديثة..
وكلها أدت كما بات معروفاً إلى ظاهرة التساخن أو الاحترار الكوكبي التي تشكل بدورها محور ذلك الخطاب الأيكولوجي، ولا سيما في أقطار الشمال الصناعي المتقدم من العالم على أن هذا الخطاب لا يقدم نفسه دفعة واحدة..
وبقدر ما أنه خطاب بحثي وعلمي وفكري بقدر اهتمام أركانه ومشاركيه بنقل حصائل حواراتهم وبحوثهم من حيز المختبر إلى ساحة الإعلام ومن عزلة برج العاج الذي ألمحنا إليه إلى ساحة الاهتمام على مستوى الجماهير وولاة أمورها على حد سواء.
معنى هذا أن هذا الخطاب الأيكولوجي لم يعد يكتف بحكاية التحذير وإطلاق الإنذارات، بل أصبح حريصاً على ترجمة هذه المتابعات العلمية إلى وعي جماهيري عام.. بمعنى تآزر العلم مع الإعلام..
شريطة أن يكون العلم مفهوماً وسائغاً بقدر ما يكون الإعلام عميقاً وموضوعياً.. وبعد هذين الجبهتين لا بد وأن تنتقل القضايا البيئية إلى اثنين من الخطوط المتقدمة من ساحة المصلحة الإنسانية العليا.. أولهما:
خط المنظور الاستراتيجي الذي يتعامل مع مشكلات وتحذيرات البيئة على أنها قضايا في غاية الحساسية والأهمية لأنها تمس في الصميم مصالح الأفراد والمؤسسات والشعوب في الحاضر والمستقبل. وثانيهما: خط السياسات الواجب رسمها عند أعلى مستوى من الدول والحكومات بحيث تنبثق عنها خطط وبرامج صالحة عمليا للتنفيذ.
على جبهة الرصد العلمي نحسب أن العلماء والمختصين لم يألوا جهدا ولا قصروا في واجب وهم لا يفتأون يكررون تحذيراتهم إزاء الإمعان ـ المغرور أحيانا ـ في مواصلة الأنشطة الصناعية التي ينجم عنها ملوثات تقضي إلى الارتفاع الذي لم يعد ينكره أحد في درجة حرارة كوكب الأرض.
أحدث هذه التحذيرات نشرتها مجلة «ذي فيوتشر» (في توقعاتها البيئية لعام 2006 الحالي) وقد أفادت بما يصفه الباحثون بأنها موجات الاحترار الحضرية الشديدة الوطأة التي تنبأوا بأنها جديرة بأن تصيب مجتمعات المدن الكبرى في أقطار شتى من العالم بكل ما ينجم عنها من مشاكل وأخطار..
وضربوا في ذلك مثلا لمدينتي باريس الفرنسية وشيكاغو الأميركية موضحين أن كلا منهما سوف تواجه بموجات حرارية يزيد معدلها بنسبة 25 في المئة سنوياً مع سنوات هذا القرن الجديد.. وأن كل موجة جديرة بأن تستمر على مدى يصل في المتوسط إلى 9 أيام في كل مرة.
ولأن مثل هذه الظواهر تتسم بطابع جدلي فإن التحذيرات تفيد بعقم اللجوء المتواصل إلى أجهزة التلطيف والتكييف التي تبعث بدورها عوادم تفضي في التحليل الأخير إلى تفاقم الظاهرة نفسها التي تقصد إلى مواجهتها.
وإذا كانت حكاية الموجات الحرارية أمر يمكن تحمله ولو نسبيا ـ إلا أن جبهة التحذيرات العلمية تكرر الإشارة إلى أن هذه الموجات تؤدي إلى اختلالات في التوازن البيئي المرهف على مستوى العالم والكوكب والكون الذي أنشأة خالقه جل وعلا على أساس نظام شديد الانضباط.
وفي ظل ما أصاب العالم ـ الكرة الأرضية ـ من نوازل داهمة خلال العام الماضي.. بعضها كان صاعقا ومدويا مثل ثوران موجات تسونامي في المحيط الهندي، ومثل عاصفة كاترينا الصرصر العاتية في جنوبي الولايات المتحدة.. دع عنك النوازل الأخطر لأنها بعيدة عن ثورة المتابعة والاهتمام العالمي.
وفي مقدمتها تسخين سطح القطبين الشمالي والجنوبي من العالم ومن ثم كارثة ذوبان جبال الجليد الأزلية وإهدار مخزوناتها من المياه العذبة إلى مياه المحيط. في ظل هذا كله كان لا بد للخطاب الأيكولوجي أن يتحول من جبهة العلم ـ كما ألمحنا ـ إلى جبهة الإعلام.
في هذا الإطار، ومع أول أيام أبريل الحالي ينشر باحثان مرموقان هما «تيد نوردهاوس» و «مايكل شلنبرغر» مقالاً مهما في كبريات الصحف الأميركية يسلمان فيه بأن ثمة جدلا بين أطراف شتى حول درجة خطورة ظاهرة التساخن أو الاحترار الكوكبي. لكنهما يؤكدان على أنها ظاهرة حقيقية وتشكل خطراً فعلياً مهماً اختلف الفرقاء في حساب حجمها أو مدى جسامتها.
يقول الباحثان الأميركيان: ـ لو استمر الارتفاع في درجة حرارة الأرض فإن لنا أن نتوقع ظواهر خطيرة ليس أقلها ارتفاع مستويات سطح البحر وذوبان جليد القطبين واشتداد وطأة الأعاصير وتواتر إصابة الأراضي بآفة الجفاف .
وما يعجب هذا كله من غوائل التطرف في أحوال الطقس (بين حر قائظ وبرد قارس) والسؤال المطروح يتعلق بما قد يحدث من هذه الظواهر الخطيرة والسؤال هو ببساطة:
ـ هل الحكومات مستعدة لمثل هذه الطوارئ؟.. وهل مسئولوها على وعي بما قد يترتب عليها من نتائج بالنسبة لحياة الناس؟ وإلى أي حد بلغت درجة مثل هذه الاستعدادات؟.
نبادر مع مثل هذه الزمرة من الباحثين والكاتبين المهمومين بمستقبل كوكبنا كي نؤكد أن الاستعدادات ليست مجرد مخططات مرسومة في مطبوعات حكومية أنيقة ولا هي خُطب أو مواعظ تشابه صفحة الإرشادات التي كان يطالعها في الماضي أجيال سبقت من التلاميذ والمتعلمين.. إنها تبدأ برسم سيناريوهات واقعية لهذه المشكلة أو الآفة أو حتى الكارثة..
وتنطوي على تغييرات أو تعديلات في الأطر التشريعية وفي القواعد الاقتصادية (ولاية كاليفورنيا عدلت تشريعاتها مثلا بما يكفل التأمين ضد حوادث الزلزال)..
وتنطوي كذلك على تزويد كل المرافق الاقتصادية ـ الاجتماعية بكافة المعلومات حول احتمالات تعرض مواقع البناء السكنية أو الصناعية أو حتى الترفيهية للإصابة بالنوازل أو الكوارث الطبيعية وإلزام الدوائر العقارية الخاصة والعامة بإفشاء هذه المعلومات ـ بحكم القانون ـ لصالح جماعات المستثمرين.
وينطوي هذا أيضا على تنظيم دورات وفعاليات التدريب العملي الجادة والمنضبطة في إطار ما تصفه الأمم المتحدة بأنه تدابير التأهب (بمعنى الجاهزية) لتوقي الكوارث الطبيعية.
أخيرا نلاحظ أن الأستاذين نوردهاوس وزميله شلنبرغر يختاران لمقالهما عنوان: «الاستعداد لهجوم تشنه الطبيعة»، ولكنهما يختتمان المقال بعنوان يدعو للتأمل حين يقول: قد نتفق أو نختلف على أسباب تغير المناخ. لكن علينا أن نتفق بإجماع على أن هذا التغير يشكل خطورة، وإننا لسنا مستعدين لتوقي هذه الخطورة والتعامل معها. لا من قريب ولا من بعيد..
كاتب مصري
