كثر الحديث عن المناهج المطورة، وتفاوتت آراء الناس حولها، وأقول الناس دون تخصيص لأن جميع أفراد المجتمع ـ من أكاديميين، وتربويين، وإعلاميين، وأولياء أمور، وطلاب، وغيرهم- شاركوا في الحديث عن المناهج المطوّرة، وأبدوا ملاحظاتهم عليها وتقييمهم لها.
وقد اختلفت الآراء حول هذه المناهج ما بين مؤيد ومعارض. ويستطيع كل من الفريقين أن يحشد جملة أسباب، قد تصل إلى عشرات الصفحات ليدعم بها رأيه وموقفه، سواء كان موقف قبول أو رفض لما حملته المناهج المطوّرة على مستوى الشكل والمضمون وطرق طرح المواضيع ومعالجتها، ومدى مناسبة كل ذلك للطالب.
وغيرها من جوانب لا تزال صفحات جرائدنا المحلية تذكرها جيدًا ـ وستظل تذكرها لسنوات ـ لكثرة ما طُرحت ونوقشت فيها. ولم يتوقف الأمر عند الجرائد والصحف، بل انتقلت المناقشات إلى ساحات البث المباشر (الإذاعة)، والبرامج التلفزيونية، ومواقع الإنترنت أيضًا.
ومع هذا لا بد لنا من وقفة، رغم كثرة ما قيل، وما كُتب، وما عُرض إذاعيًا وتلفزيونيًا، ولكن هذه الوقفة ستكون من خلال الفئة المستهدَفة نفسها، أي الطلاب والطالبات، الذين تتوجه إليهم هذه المناهج، وتخاطبهم، وتتوخى رفع مستوى تحصيلهم العلمي، والارتقاء بطريقة تفكيرهم وتناولهم للقضايا التي تُطرَح أمامهم.
وتسعى إلى إخراجهم من الإطار التقليدي في التفكير والطرح والعرض، وتحريرهم من النمط -التقليدي أيضًا- في الدراسة، وإطلاقهم نحو فضاءات ليس لها حدود ولا قيود، يستطيع الطالب فيها أن يتعلم الأدوات الضرورية، والمهارات الأساسية.
وأن يطبقها على أي مادة أو نص آخر غير ما درسه في الصف، لأن طريقة تدريسه لم تعتمد على الحفظ والتلقين، بل كانت تعتمد على إكساب المهارات والخبرات، بحيث ينهي الطالب المادة وقد تعلم كيف يصطاد السمكة، لا أن يُعطى فيأخذها دون أن يعرف كيف ومن أين جاءت.
في الأسبوع الماضي توجهتُ إلى مدرسة المعلا للتعليم الثانوي، وهي واحدة من مدارس منطقة أم القيوين التعليمية، التي يخضع طلاب الصف العاشر وطالباته فيها للمنهج التجريبي المطوّر في مادة اللغة العربية، وذلك بدعوة كريمة من مدير المنطقة، عبيد القعود، لحضور حلقة نقاشية حول المقال الصحافي، بإدارة ريم العيساوي، وحضور موجه مادة اللغة العربية بالمنطقة محمد البيك.
وفي ذلك اللقاء، لمستُ نتائج تطبيق المنهج المطوّر على الطالبات؛ فقد كانت الصورة المتخيلة في ذهني سلبية إلى حدّ ما، نتيجة ما أراه يوميًا في قاعات الدرس الجامعي، وأثناء إقامة الأنشطة الثقافية من محاضرات وندوات في الحرم الجامعي، من إعراض الطالبات عن السؤال والمشاركة والمداخلة والتعليق في المحاضرات، نتيجة خجل.
وربما رهبة من الموقف، وعدم القدرة على صياغة الأسئلة، والارتباك عند المحاولة، ثم التراجع، أو الرغبة في التراجع التي تُصاحَب غالبًا بكلمات تشجيعية ونداءات ومحاولات استنطاق لفهم السؤال أو التعليق وإعادة صياغته مرة أخرى.
ولكن المفاجأة كانت تنتظرني هناك، في تلك الإمارة المستلقية بأريحية على شاطئ الخليج، ومن خلال طالبات الصف العاشر في إحدى مدارسها الثانوية، اللائي قدمنَ صورة جديدة تنضح إيجابية، وتختلف عمّا كان في ذهني وأنا في طريقي إلى المدرسة.
لقد توافرت في هؤلاء الطالبات صفات إيجابية عدة، مثل الجرأة، والرغبة في المشاركة وإثراء الحوار، والتنافس في توجيه الأسئلة، التي كانت عميقة ودقيقة، تصبّ في الموضوع نفسه، ولم تكن عامة ولا هامشية.
كما كانت لديهنّ القدرة على الوقوف بثبات وطرح السؤال بثقة، وبصوت واضح ومفهوم، مع حرص على التحدث باللغة العربية الفصحى قدر الاستطاعة، الأمر الذي يشي باعتيادهنّ على ذلك، وأن ما قمنَ به في هذا اللقاء كان أمرًا طبيعيًا، يمارسنَه باستمرار، إما في الصفوف الدراسية، أو في لقاءات مماثلة.
والأجمل من هذا كله، أن إحدى الطالبات طلبت في نهاية اللقاء أن تلقي كلمة شكر باسمها وباسم زميلاتها، وأُذن لها، فقامت متوجّهة نحو المنصة، لتلقي كلمة شكر بدا واضحًا أنها ارتجالية، أنشأتها أثناء وجودها على المنصة في تلك اللحظة، مما جعل نهاية اللقاء أجمل من بدايته التي كانت جميلة بحد ذاتها.
وهذا كله -كما يبدو لي، وكما أكد الموجه ومدرسات مادة اللغة العربية في المدرسة- دليل على أن التغيير الذي طرأ على الطالبات هو نتيجة طبيعية لتغير المناهج التي تعطي المعلومات، وتشكل ـ في الوقت ذاته ـ شخصية الطالب، وطريقة تفكيره وتناوله لأي موضوع يُطرَح أمامه، سواء كان نصًّا مكتوبًا، أو محاضرة، أو لقاء، أو غير ذلك.
إن المناهج الحديثة، التي ملأت الدنيا وشغلت الناس، تسعى -فيما تسعى- إلى خلق شخصية جديدة للطالب الذي اعتاد على الحفظ والتلقين، وإذا تغير النص أمامه، أو تغير الموقف، أو إذا نسي الكلمة الأولى مما حفظه، ضاع ولم يستطع أن ينبس ببنت شفة.
وفي رأيي أن منهج اللغة العربية الحديث للصف العاشر قد حقق هذه الغاية، وأوجد لنا طالبات يمتلكن مهارة التحدث والمحاورة، والقدرة على طرح الأسئلة والتعليقات بثقة وثبات وطلاقة.
وإذا كان هذا هو فقط المنجَز المتحقق من خلال المناهج المطورة فأظنه كافياً، لأن وجود معلومات دون توظيف لن يسمن ولن يغني، ولكن وجود مهارات أساسية يستطيع الطالب استخدامها وتوظيفها في كل وقت، وفي مواجهة أي نص أو موقف هو المغنم الحقيقي.
وإذا كانت فئة الطلاب والطالبات هي الفئة المستهدَفة في عملية تحديث المناهج وتطويرها، ومستوى هذه الفئة لا بد أن يكون له أثر كبير في تقييم هذه المناهج، وتحديد مدى جدواها في تطوير العملية التعليمية.
وتحريكها إلى الأمام خطوات، فإن اللقاء المباشر مع الطلبة والطالبات، خارج قاعات الدرس (محاضرات أو ندوات أو غيرها) سيكون خير وسيلة للحكم على هذه المناهج، بصدق وموضوعية.