تطوَّر المجتمع. ذهب إلى الأمام آلاف الخطوات. اختصر بالمال وإرادة الإنسان الكثير من الوقت والمراحل. حققنا في فترة زمنية قصيرة إنجازات في مجال التنمية والاقتصاد والبنى التحتية تُعد خيالية ومستحيلة في قواميس الأمم والشعوب.

. ذلك حدث في الإمارات وما نراه ويراه الجميع لا يمكن إنكاره أبداً.. لكننا بعد ذلك كله سنكون مضطرين لدفع فاتورة من نوع آخر، فاتورة التنمية والتطوُّر، وسيكون الدفع من حساب المنظومة القيمية بالتأكيد!

نحاول أن نصنع تعليماً أفضل، وحكومتنا الرشيدة تسعى بكل طاقتها لتلبية مطالب الناس، تعليماً وإسكاناً وطبابة، وخدمات كثيرة أخرى.. وهذا لا يُنكر، لكن التطوُّر كالمرجل يحتاج كي يعمل إلى وقود.

وكلما وضعت فيه أكثر احتاج إلى المزيد، وها نحن نضع في هذا المرجل الكثير من الثوابت لنستطيع الاستمرار في الجري واللهاث خلف المصالح والوظائف والأحلام وسباقات إثبات الذات!

وها هي واحدة من أقسى إفرازات مجتمع العولمة وذهنية السوق والمصالح التي سيطرت على الجميع تبرز ونلمسها أينما ذهبنا، إنهن جموع الأمهات اللواتي جعلن تربية الأبناء هدفاً وغاية، ضحين لأجلها بكل شيء من أجل أن يكبر الأبناء والبنات ويحظون بكل ما يوفر لهم حياة ومستقبلاً آمنين.

هؤلاء الأمهات اليوم يقبعن وحيدات في المنزل، إماأن يعانين الوحدة والحزن واجترار الذكريات، وإما أن يقعن فريسات المرض والإهمال، بينما العَتَب على الأبناء لا ينتهي.. والأبناء كل في فلك يسبحون!

لم تستعد أمهاتنا لمجتمع العولمة، ولا لعصر السوق والانفتاح واتفاقيات الجات والتجارة الحرة، والانترنت والفردية التي أصبحت ديانة الجميع، لقد عشن حياة أخرى، وقيماً أخرى، وعلاقات مغايرة.. هذه المنظومة التي عشنها لم تعد موجودة اليوم إلا فيما ندر.

وهن قد قضين العمر يراهن على الأبناء والبنات حتى يكبروا فيكونون خيمة العمر الآتي، العمر الصعب في صحراء الوهن والشيخوخة، يكونون الأمان والضمان والحنان.. فإذا بالعمر موحش وإذا بالأبناء كل في طريق، وإذا البيوت فخمة باذخة كبيرة لكنها مليئة بالوحدة والصمت والهجران.. فلا صوت ولا سؤال.. إلا كل سنة مرة.. أو في الأعياد ربما!!

ما هو المطلوب؟ صعب أن نوقف القطار، وصعب أن نعيد الزمن، فهل تنتفض نفوس الأبناء السادرة؟ هل يمكن للبلديات توفير نوادٍ اجتماعية في كل حي على غِرار حديقة الحي، لتجتمع فيها النسوة مثلاً لقضاء أوقات وهوايات وتمضية الوقت بعيداً عن الألم والحزن والصمت؟

هذه التجربة مطبقة في كثير من دول العالم، وتستطيع بلدية دبي السبَّاقة لخدمة المجتمع، تبنِّي هذه الفكرة وتطبيقها كتجربة أولى ستثبت مدى جدواها وأهميتها في مواجهة متطلبات عصر العولمة وتباعد الناس عن بعضهم.. ورحمة بالأمهات.

sultan@dmi.gov.ae