قيل في أوج الحرب الباردة إن ثمة معادلة صفرية تحكم أنماط التحالفات والاصطفافات الدولية وراء قطبي النظام العالمي. كان المقصود بذلك أن كل طرف أو حليف يخسره الاتحاد السوفييتي زعيم المنظومة الاشتراكية في الشرق، يضيف ربحاً صافياً إلى أنصار المنظومة الرأسمالية بزعامة الولايات المتحدة في الغرب، والعكس بالعكس.
وقتذاك، كان لهذه المقولة أنصار كثيرون لاسيما بين شراح العلاقات الدولية، حتى أن قلائل فقط هم الذين اقتنعوا بصدقية موقف عدم الانحياز، الذي اشتقته بعض دول ما سمى بالعالم الثالث أو الجنوب بدءاً من مؤتمر باندونج الشهير عام 1955.
والحق أن القطب الأميركي كان مشدوداً أكثر إلى منطق استقطاب القوى الدولية ومعاكسة مفهوم الحياد سلبياً كان أم إيجابياً. يعرف ذلك كل من تابع العقيدة الأميركية في مواجهة المد الشيوعي وتعجيز موسكو، التي عملت تحت عناوين مختلفة كالاحتواء.
وبناء الأحلاف وسباق التسلح في الخارج، والمكارثية في الداخل. فكأن مفهوم «من ليس معناً فهو ضدناً « الذي ينسب إلى ممارسات إدارة جورج بوش الابن له جذور في تقاليد السياسة الأميركية قبل الحادي عشر من سبتمبر بكثير.
راهناً، مضى على أفول الاتحاد السوفييتي وانهيار معسكره بالكامل عقد ونصف، بل وباتت موسكو تقاتل في حوزتها الداخلية، صيانة لما تبقى لها من نفوذ وسيادة في دائرتها الروسية الاتحادية المعروفة قبل ثورة أكتوبر 1917.
ولم يعد طرف من الجنوب أو الشمال ينظر إليها كقوة منافسة، ناهيك عن أن تكون موازية أو موازنة، لواشنطن على قمة النظام الدولي.
ومع ذلك، لا يصح الزعم بأن هذه الحالة أدت بمرور الوقت إلى تعاظم إعجاب دول الجنوب بالنموذج الأميركي أو بالاشتياق والتحرق للانضواء الطوعي تحت عباءته.
بكلمات أخرى، يلاحظ المرء أن أهل الجنوب،على الصعد الشعبية بالذات، لا يرون في المثل الأميركي، بمختلف أبعاده وتجلياته الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والسياسية، القدوة الجاذبة التي تستحق الاحتذاء بشكل تلقائي، بعد غياب المنافس السوفييتي من حيث النظرية والتطبيق.
قد يجادل البعض في صحة هذا الطرح على اعتبار أنه لا يستقيم مع ما هو مؤكد بالشواهد حول انتشار النفوذ الأميركي وتغلغله في مناطق وعواصم عالمثالثية لم يطأها من قبل.. وبعضها كان عصياً على الاختراق، إما لاندراجه تحت الملاءة السوفييتية أو لاستعصامه حقيقة لا تمويهاً بمبدأ عدم الانحياز.
لكن ما ينبغي مراعاته في مقام هذا الجدل ضرورة التمييز بين الجاذبية الطبيعية التي تنساب بلا عوائق للنموذج الأميركي، وبين محاولة فرضه، أو حتى النجاح في فرضه، بالقوة الجبرية، بدبلوماسية الإملاءات والتهديدات والحرب الوقائية والصواريخ وحاملات الموت في البر والبحر والضغوط الاقتصادية والمالية والتشويه الإعلامي.
وذلك بمعزل عن أية اعتبارات أخلاقية أو قانونية رادعة. القصد، إنه إذا ما خصمنا عنصر القوة الشاملة المستخدم بكثافة في سياسات واشنطن تجاه عوالم الجنوب، فلربما لن نجد النموذج الأميركي بمواصفاته الكلية قد استقبل بالحظوة التي طالما طمع فيها فلاسفة هذا النموذج ومعتنقيه.
والحال كذلك، قد يتعين على كثير من فقهاء النظام الدولي زمن الحرب البادرة إعادة النظر في معادلتهم الصفرية الموما إليها بأثر رجعي إذ لم يؤد زوال القطب السوفييتي إلى وقوع شعوب جنوبية كثيرة في غواية « القدوة الأميركية « بصورة ودية أو عن قناعة واستحباب.
يدل على هذا التعميم، الممانعة القوية التي تلقاها سياسات واشنطن ومساعيها التعبوية في الرحاب «الشرق أوسطية»، رغم حضورها الخارق الأعين بكل المعاني والصور وأشكال الضغوط الجبارة المتاحة لها مادياً ومعنوياً. ويتداعى للخاطر في هذا السياق، أن النموذج الأميركي يكاد يواجه بالقدر ذاته وزيادة من الاعتراض والامتعاض في جواره القريب، أميركا اللاتينية.
يحدث هذا حالياً، إلى الدرك الذي استفز محللين أميركيين عدول للتحذير على صفحات دورية فورين أفيرز الشهيرة (عدد يناير/ فبراير2006) من أن الولايات المتحدة على وشك خسارة هذه القارة بالكامل.. هكذا دفعة واحدة.
إبان الحرب البادرة، كان بوسع الإدارات الأميركية إحالة السخط والنفور من سياساتها إلى التحريض السوفييتي المتعامد مع عداء الجنوب والقوى الشيوعية العميلة لموسكو.
بل ومكنتها أجواء التنافس الإستراتيجي المحموم آنذاك من تبرير الجوانب العدوانية في سلوكها إزاء العالم الثالث. وبالطبع فان زوال المنافسة والمنافس ذاته كشفا الوجه الحقيقي للأجندة الأميركية، بحيث بات من السهل الحديث عن الهيمنة وتطويع الآخرين كخصائص أصلية في هذا السلوك.
ولعل أسوأ ما ينطوي عليه الوضع الحالي للتعامل الأميركي مع شعوب الجنوب هو أن الغضب، أو حتى العداء، لسياسات النخبة الحاكمة في واشنطن، يكاد ينال من صورة «الحلم الأميركي» التقليدية. ومصدر الخطورة هنا، صعوبة إن لم يكن استحالة تصحيح أو تحسين هذه الصورة النمطية إذا ما ترسخت في المخيلات والأذهان.
فبالنسبة لقطاعات واسعة من شعوب الجنوب، تمتد من مناطق قبائل الحدود الباكستانية الأفغانية مروراً بقلب الشرق الأوسط وصولاً إلى جبال الانديز، لم تعد الولايات المتحدة «مدينة على جبل»، يشتاق الناس للاستظلال بمثلها في القانون والنظام والعدل الاجتماعي والحقوقي والديمقراطية السياسية وطلاقة فرص الترقي الاقتصادي والفكري والعلمي..
وإذا جاز إيكال هذا التصور البائس في الشرق الأوسط وضفافه إلى سياسات واشنطن الاستقوائية والاحتلالية، بالأصالة أو بالإنابة من خلال إسرائيل، فما مسوغات التصور ذاته في أميركا الجنوبية؟.
. لقد ثبت مؤخراً أن 86 في المئة من فقراء هذه القارة وأغنيائها يمقتون المزاعم الأميركية حول حقوق الإنسان والديمقراطية ودولة القانون.
وأن معظم حكومات بلدان القارة يستحسنون شعارات الرئيس الفنزويلى هوجو شافيز الذي يصب اللعنات من كاراكاس على واشنطن وعقائدها وقيمها مع قهوة كل صباح.
هناك إذاً أشياء منظورة وغير منظورة شديدة التصدع والتداعي في النموذج الأميركي. وقد تقع بارقة الأمل في استدراك هذه الوضعية على كاهل الممانعة الخارجية لسلوكيات هذا النموذج من جهة، وذلك بالتعامد مع عدم رضاء الكثيرين عن انحرافاته داخل الولايات المتحدة ذاتها من جهة أخرى.
