نشهد هذه الأيام بدايات الربيع في أميركا وبداية السنة الرابعة للحرب في العراق. وبهذه المناسبة انخرط الرئيس جورج بوش ونائبه وزمرة من الجنرالات في حملة نشطة للترويج لنجاحاتنا في العراق. لكن على الأرض تتسع رقعة انتشار العنف الطائفي يوماً بعد يوم. والشرطة العراقية ليست قوة وطنية بقدر ما هي قوى طائفية منفصلة ومنقسمة في ولاءاتها.

ويقول رئيس الوزراء العراقي السابق اياد علاوي، الذي كان في يوم من الأيام رجل أميركا المفضل في العراق، ان البلد يعيش حرباً أهلية حقيقية. وعملياً فإن كل جنرال أو كولونيل أميركي، حالما يحال إلى التقاعد، يبدأ في التحذير من حالة الفوضى العارمة التي تشهدها هناك.

الأميركيون عموماً يحبذون التفاؤل ووعود النصر التي يقدمها الرئيس. لكن على أرض الواقع ليس هناك الآن أمامنا أية خيارات جيدة. فلقد كلفتنا هذه الحرب إلى الآن أكثر من اللازم في الأرواح والأموال والشرف وتشتيت الانتباه.

وكما يقول وليام أودوم، المدير السابق لوكالة الأمن القومي في عهد رونالد ريغان، فإن حرب العراق تعتبر أسوأ معضلة في السياسة الخارجية في تاريخ بلدنا، لقد أبعدتنا هذه الحرب عن حلفائنا.

وغذت مشاعر الكراهية لأميركا في أنحاء العالم الإسلامي. كما أنها وفرت أداة تجنيد قوية وحقل تدريب ممتازاً لإرهابيي القاعدة. وأشعلت شرارة حرب أهلية في بلد غني بالنفط في قلب منطقة الخليج.

وبطبيعة الحال فإن الخروج الآن ليس خياراً سهلاً. فالتضحيات الكبيرة التي قدمها جنودنا لا يمكن ان تضيع هباءً. وإنفاق 500 مليار دولار لتوليد المزيد من انعدام الاستقرار ودولة قاصرة تأوي المزيد من الإرهابيين لا يمكن ان يكون مجرد خطأ عابر.

ولذلك عندما يناشد الرئيس بالثبات على الدرب حتى النهاية. زاعماً بأن النصر في متناول أيدينا، فإن الناس يروق لهم ان يصدقوه.

لكن الركون إلى مثل هذه الأوهام لا يجدي شيئاً سوى الحكم علينا بالتضحية بالمزيد من الأرواح والمزيد من الموارد على قضية يبدو بشكل متزايد أنها قضية خاسرة.

استطلاعات الرأي لا تهم كثيراً، لكن ما يهم حقاً هو ان الأغلبية الساحقة من العراقيين والأغلبية الساحقة من القوات الأميركية يعتقدون الآن بأن علينا وضع جدول زمني للبدء في سحب قواتنا.

لا يمكننا ارهاق قواتنا المسلحة المنتشرة فوق طاقتها بأن نطلب منها نشر المزيد من الجنود على الأرض ـ خاصة اذا لم يكن هناك ما يدعو للاعتقاد بأن زيادة عدد جنودنا في العراق سيغير شيئاً.

لا يمكننا ايقاف الحرب الأهلية المتصاعدة بما نملك من موارد. ولا يمكننا حتى توفير الأمن لأجزاء كبيرة من بغداد. وبوسعنا ان نبقى هناك سنة أخرى، أو سنتنين اخريين، ونضحي بألوف أخرى من القتلى والجرحى، وننفق 500 مليار دولار أخرى.

لكن ليس هناك ابداً ما يوحي بأن هذا سيغير شيئاً على الأرض. وكانت آخر مرة علق فيها جنود أميركيون في حرب أهلية في المنطقة في 1982، عندما أرسل رونالد ريغان جنوداً من مشاة البحرية الأميركية إلى لبنان وأطلق بضع قذائف مدفعية من البوارج الأميركية باتجاه ضواحي بيروت.

وقام اللبنانيون حينها بنسف المعسكر الأميركي فقتلوا 270 جنديا من المارينز. أدرك ريغان خطأه وسحب القوات الأميركية على الفور.. ثم قام بغزو غرينادا للتغطية على تقهقره. وتركت لبنان في مواجهة حرب أهلية بشعة، برغم اجراء الانتخابات وصعود حكومة ضعيفة تلو الأخرى. والآن يواجه العراق هذا الصراع الطائفي نفسه.

في نهاية المطاف، سيتعيَّن على العراقيين أنفسهم أن يقرروا إلى متى سيتقاتلون وكيف سيتقاتلون. وسيقررون شكل الدولة التي يريدون بناءها.

يقول الرئيس بوش إن الأمن الأميركي متصل بشكل مباشر بانتصار الحرية والديمقراطية في العراق. وبالتأكيد أننا نفضِّل قيام ديمقراطية قوية مسالمة على دولة ضعيفة بزعامة حكومة تهيمن عليها طائفة موالية لإيران. لكن الأمنيات لا يمكن أن تكون أساساً للسياسة، لا يمكننا أن نطلب من الأميركيين التضحية بحياتهم لتأجيل أحلامهم مقابل وهم.

وكلما استمر الرئيس في إنكار الواقع، كلما زادت التكلفة على هذا البلد. حان الوقت لنكون واضحين ونعلن أننا لا ننوي إبقاء قواعد دائمة في العراق.

ونعلن عن انسحاب على مراحل من هناك، ونقول للعراقيين إن عليهم بناء مستقبلهم بأنفسهم. علينا السعي لمساعدتهم قدر استطاعتنا لكننا لن نستطيع تحديد مستقبلهم دون التضحية بمستقبلنا.

الرئيس بوش واضح لكنه على خطأ، في حين يلتزم الديمقراطيون الصمت على الأغلب. هذا ليس شأناً من شؤون السياسة، بل هو شأن يتعلق بمستقبل بلدنا.

وإيجاد طريقة للخروج من هذه الكارثة أمر حيوي لأمن هذه الأمة. ولا ينبغي للديمقراطيين أن يكونوا بالضرورة متحدين. فالجمهوريون ليسوا كذلك.

لكن أعضاء كلا الحزبين في الكونغرس يتحملون المسؤولية كزعماء منتخبين لهذا البلد بأن يقدموا للأميركيين خالص نصحهم في أوقات الشدائد.

صحيح أن البيت الأبيض هدد بتحويل الحرب مرّة أخرى إلى ناد حزبي، والديمقراطيون يرتعدون خوفاً من عندما يفكرون كم كان هذا الأسلوب ناجحاً في 2002 و2004. لكن لا يمكن لأحد الظهور بمظهر القوي فيما يتعلق بالأمن القومي والتزام الصمت حيال كل ما يجري. لقد حان الوقت للنهوض.

خاص لـ «البيان»:خدمة لوس أنجلوس تايمز