أعلنت كل من الولايات المتحدة الأميركية وإيران عن بدء حوار فيما بينهما حول العراق، ولم يعلن عن جدول اعمال لهذا الحوار ولا عن النقاط التى سوف يتضمنها، لكنه يعد من دون شك نجاحا لايران من منطلق انه اكد اعتراف الولايات المتحدة بامتلاكها لأوراق لعب قوية في الشأن العراقي وعن انها تستطيع ان تساعد الولايات المتحدة في تحقيق الاستقرار في العراق.
وهذا يعنى ان الولايات المتحدة يمكن ان تقدم تنازلات لايران من اجل تحقيق تقدم في الملف العراقي. وليس هناك ملف اخر مرشح لهذة التنازلات سوى الملف النووى الإيراني.
وبالتالي يمكن القول من دون مبالغة ان ملامح النظام الاقليمى الجديد في الشرق الأوسط سوف تتوقف على ما سينتهى اليه هذا الحوار الأميركي الإيراني، خاصة وان ايران منخرطة بقوة في العديد من الملفات الاقليمية الصعبة مما جعل منها رقما صعبا في كافة معادلات المنطقة.
والسؤال الأساسي الذي يرد إلى ذهن المراقب يتعلق بما يمكن ان تقدمه ايران للولايات المتحدة فيما يتعلق بالعراق، وما الذي يمكن ان تقدمه الولايات المتحدة لإيران في مقابل ذلك.
والحاصل ان ايران تملك الكثير الذى تستطيع ان تقدمه للولايات المتحدة وفي مقدمة ذلك انها ذات علاقات قوية مع كافة اطياف الساحة العراقية. فمن النوافل القول انها ذات صلة قوية بالاطراف الشيعية الرئيسية ونقصد بها حزب الدعوة والمجلس الاعلى للثورة الاسلامية وهما ذواتا صلة تقليدية وعميقة بايران.
وهى صلة ذات ابعاد تاريخية ومذهبية وسياسية وقد زادت ايران على كل ذلك بفتح قنوات للاتصال ثم روابط وصلات قوية مع تيار مقتدى الصدر الذى اصبح الاكثر قوة في الشارع الشيعي حاليا واستطاع منذ عام 2003 وحتى الان ان يكون هو الاعلى صوتا والاكثر شعبية وابتعادا عن الولايات المتحدة.
وهذا الوضع يعنى ان الصلة الايرانية قوية بكل الاطياف الشيعية وهو الامر الذى يعطى لها ثقلا قويا في الداخل العراقي استنادا الى ان الشيعة هم الاغلبية السكانية من جهة وهم ايضا الذين يملكون اغلبية مرجحة في المؤسسات السياسية العراقية الحالية.
إضافة إلى ذلك فان لايران علاقات قوية ايضا بأحد الفصائل العراقية الكردية الأساسية ونقصد به الاتحاد الوطنى الكردستانى الذى يتزعمه رئيس الجمهورية العراقى جلال طالباني، فقد قامت ايران خلال فترة التسعينات بايواء قيادات حزبه وعناصر متعددة منه، فيما اعتبر بانها راعيه له.
وخلال الشهور القليلة التى سبقت التدخل الأميركي في العراق استطاعت ايران ان تفتح قنوات للاتصال مع الفصيل الكردي الرئيسي الآخر وهو الحزب الديمقراطى الكردستانى الذى يتزعمه مسعود بارازاني، وذلك إضافة إلى صلتها القوية بالحركة الاسلامية الكردستانية وذلك كله يعنى ان لايران صلة قوية بالاطراف الكردية.
وهو مايعنى انها ذات صلة بالاطراف الرئيسية في الساحة العراقية الأمر الذى يمكن ان يوجد لها دورا في التوسط بين هذه الأطراف من جهة او في تهدئة الأوضاع عندما تسخن من جهة ثانية.
وفى الفترة التي أعقبت سقوط نظام صدام حسين استطاعت ايران ان توثق صلتها بالمسألة العراقية، وذلك بان فتحت صفحة جديدة مع سنه العراق ومنهم الممثلين في فصائل المقاومة العراقية.
وبالتالي فان إيران تستطيع ان تكون مهمة لأميركا بالنسبة للسنة فهي من جهة تستطيع ان تضغط على الشيعة من اجل تقديم تنازلات للسنة ومن جهة ثانية تستطيع ان تتوسط ين السنة وكل من الاكراد والشيعة وتستطيع عبر ضبط الحدود ان تمنع تسلل المزيد من المقاتلين السنة الى العراق .
وبالتاكيد فان لديها قاعدة معلومات حول المقاومة العراقية التى تسللت عبر الحدود وهذا أمر حيوي ومهم بالنسبة للولايات المتحدة وسوف يكون احد ابرز عناصر وموضوعات الحوار بين الجانبين الذى سيبدأ قريبا.
وفى هذا الصدد لابد من الاشارة الى ان النجاح الذى حققته الولايات المتحدة في افغانستان لم يكن ليتحقق من دون المساعدات اللوجستية التى قدمتها لها ايران وهذا الأمر مرشح للتكرار فيما يتعلق بالشأن العراقى لكنه يتوقف على المقابل الذى يمكن ان تقدمه الولايات المتحدة لإيران.
والمقابل الذي يمكن ان تقدمه الولايات المتحدة لايران لن يخرج عن امر واحد وهو ان تفك حصارها وتخفف ضغوطها عن النظام الايرانى واحد ابرز وسائلها في هذا الأمر يتعلق بتداعيات الملف النووى الإيراني. فالملاحظ ان كلتا الدولتين تتشددان بشان هذا الملف لانهما تدركان ان موقفهما قوى وان الاخرى تحتاج لها فيما يتعلق بملفات أخرى.
إيران تدرك مدى حاجة الولايات المتحدة لها بشأن الملف العراقي. أما الأخيرة فتتشدد حتى تكون التنازلات التى تقدمها لإيران في حدها الأدنى وهذا الحد الادنى هو ما توصلت اليه ايران مع الدول الاوروبية منذ عدة اشهر والخاص بشروط تخصيب اليورانيوم.
من هذا كله يمكن القول ان صيغة التفاهم التى سينتهى اليها الحوار سوف يتم التوصل إليها قبل انتهاء مهلة الشهر التى حددها مجلس الامن لايران حتى توقف برنامجها النووى .
واذا لم يتم التوصل الى صيغة مرضية للجانبين فان المنطقة سوف تشهد خلطا للاوراق والملفات بما لايمكن معه ان يسود الاستقرار في العراق وبما يفتح الباب امام فوضى جديدة لن تتوقف بسهولة.
كاتب مصري