منذ قيام ثورة عام 1919 ضد الاحتلال الانجليزي لمصر، وحتى شهور قليلة قبل قيام ثورة 23 يوليو 1952، كان حزب الوفد بحق هو المعبر الأول عن الروح الوطنية سواء ضد الاحتلال أو فساد القصر، طوال هذه الفترة نسب لقادة الوفد قولهم «إنهم لو رشحوا حجراً في أي دائرة في مصر لتم انتخابه».

لكن فشل الوفد، في إنجاز الاستقلال لأسباب عديدة، منها تحوله إلى حزب لكبار الإقطاعيين عجل بثورة يوليو، التي اكتسبت شرعيتها من دفاعها أساساً عن الفقراء والمهمشين ناهيك عن تصديها للاستعمار ومحاولاتها الدؤوبة لتحقيق الوحدة العربية.

مع إلغاء الأحزاب عام 1953 تم حل حزب الوفد، وجرت في النهر مياه كثيرة: حدثت الهزيمة عام 1967 ومات جمال عبدالناصر عام 1970 وجاء السادات، ثم تحقق الانتصار على العدو الصهيوني في 1973، ثم ارتد السادات على كل سياسات عبدالناصر، وصالح العدو في كامب ديفيد.

وفي نهاية السبعينات عاد حزب الوفد الجديد بزعامة فؤاد سراج الدين، محاولاً استرداد الماضي، لكن الزمن كان قد تغير ومعه خريطة مصر بأكملها، ورغم كل شيء ظل الخطاب الوفدي شبه ثابت: دفاع عن القيم الليبرالية وحرية السوق. مات سراج الدين قبل سنوات ومعه غالبية تقاليد الوفد العريقة حتى لو كانت مجرد شعارات لا تستطيع ترسيخ نفسها في التربة المصرية المتغيرة.

عندما أصبح الدكتور نعمان جمعة العميد السابق لكلية الحقوق رئيساً للوفد أمل الكثيرون أنه قد يتمكن من تنشيط الحزب والنزول إلى الجماهير، وانتهى الأمر بأن غالبية الوفديين وليس المعارضين الأيديولوجيين للحزب اتهموا جمعة بالتسلط والديكتاتورية وحب الذات.

ثم جاءت القشة التي قصمت ظهر الحزب حينما تردد على نطاق واسع ان الحكومة المصرية اقنعت جمعة بالترشح أمام الرئيس حسني مبارك في انتخابات الرئاسة الأخيرة حتى لا يستأثرالوفدي الآخر المنشق على حزبه أيمن نور بكل الاضواء بما يمكنه من ترشيح اسمه في انتخابات مقبلة.

وجاءت المفاجأة أن نور هو من احتل المركز الثاني بنسبة 7% مقابل 3% لجمعة وفقاً لنتيجة الحكومة. واكتمل المشهد مأساوية للوفديين حينما فشلوا فشلاً ذريعاً ومعهم جميع أحزاب المعارضة في الانتخابات التشريعية أواخر العام الماضي التي شهدت الصعود الدراماتيكي لحركة الإخوان المسلمين.

الآن هل هي صدفة ان ينتهي مصير الوفديين نور وجمعة اللذين ترشحا أمام مبارك في السجن؟

الأول وهو نور وبغض النظر عن الآراء الملتبسة بشأنه، محكوم في قضية تزوير توكيلات لحزبه، كثيرون يعتقدون ان السبب الرئيسي للمسألة هو تجاوزه لخطوط حمراء كثيرة، ليست فقط علاقاته بالخارج، بل إعلانه الصريح قبل وبعد الانتخابات الرئاسية أنه سيرشح نفسه إذا ترشح جمال مبارك مستقبلاً.

الثاني وهو جمعة محبوس الآن على ذمة قضية اقتحامه قبل أيام ومعه مجموعة من المسلحين للمقر الرئيسي لحزب الوفد في حي الدقي بالجيزة بعد قرار الهيئة العليا الوفدية إقالته وتعيين مصطفى الطويل رئيساً، والأخير من جبهة محمود أباظة الذي تزعم إقالة جمعة لأنه حسب رأيه جعل الحزب يتردى إلى هاوية سحيقة لم يبلغها من قبل.

البعض يعتقد ونشر ذلك فعلاً في الصحافة المصرية ان الحزب الوطني الحاكم هو السبب الرئيسي في أزمة الوفد الأخيرة، لأنه حسب رأيهم نقل صراعاته إلى الوفد، هؤلاء يقولون ان الحرس القديم في الحزب الوطني هو الذي ساند جمعة، أما الحرس الجديد ونجوم «لجنة السياسات» فيؤيدون جبهة محمود أباظة، التي خرجت فائزة مؤقتاً على الأقل بعد حبس جمعة احتياطياً بتهمة البلطجة والشروع في القتل وإتلاف ممتلكات الحزب.

لكن ومع كل الاحترام لهذا الرأي ورغم وجاهته، وحتى لو كان صحيحاً، فلا يعقل أن نرمي بكل الاتهامات على الحكومة أو الحزب الوطني، عندما يتعلق الأمر بأحزاب المعارضة.

هذه الأحزاب أثبتت فشلاً ذريعاً يندر ان ترتكبه أي معارضة في العالم .. هي ومنذ نشأتها لم تتغير .. قياداتها تحتكر السلطة في أحزابها ولا تؤمن بالديمقراطية، بل وبعضها يؤمن بالتوريث ويمارسه رغم أنه ينتقد الحزب الوطني في ذلك.

هي أحزاب حبست نفسها في الصالونات المكيفة وانعزلت عن الجماهير واكتفت بالصحف بل وخانت جماهيرها مع الحكومة، وجميعها تقريباً عاشت نفس الأحداث المأساوية التي يمر بها الوفد الآن: تركز للسلطة في مجموعة قليلة فينتهي غالباً بانشقاق مجموعة، ثم تتدخل لجنة الأحزاب لتجمد نشاط الحزب بأكمله أو تتركهم يتصارعون حتى إشعار آخر.

الجريمة الحقيقية التي ارتكبتها الحكومة بدأب شديد ومنهجية منذ بداية الثمانينات وحتى وقتنا الراهن انها خربت هذه الأحزاب وحبستها في مقراتها أو اخترقتها، ومنعت العمل السياسي في الجامعات والشارع، وأفسدت النخبة.

ولأن العقاب من جنس العمل، فقد دفعت هذه الحكومة ثمناً فادحاً لسياساتها هذه، حينما فوجئنا في الانتخابات الأخيرة أن الحياة السياسية المصرية أصيبت بالسكتة القلبية ولم يعد في الساحة إلا الإخوان المسلمون.

إذن الجريمة مشتركة تتحمل مسؤوليتها الحكومة أولاً ومعها المعارضة ولسوء الحظ ان أياً من أهل الحكم أو المعارضة لا يريد أن يعترف بالمسؤولية، والمشهد العام في مصر الآن ينذر بمجهول يصعب توقعه، كوارث بالجملة تجلت في الإهمال الذي أغرق ألف مصري في قاع البحر الأحمر في كارثة العبارة، والتلكؤ في محاسبة المسؤولين أو المتواطئين، ومحرقة المثقفين في مسرح بني سويف وحوادث القطارات، وأخيراً سوء معالجة مرض انفلونزا الطيور، وفي النهاية يتم اتهام الضحايا بأنهم سبب الكوارث دون حد أدنى من مراعاة مشاعر المواطنين، .

ما حدث من عنف وبلطجة وإطلاق نيران والدم المسال في مقر الوفد ليس أزمة عابرة تخص الوفد فقط، بل هو مؤشر لما تمر به مصر بأكملها .. وعندما يحاول من يرفعون شعارات الليبرالية والديمقراطية وحرية التعبير حسم صراعاتهم السياسية بالمسدسات والقنابل ترى كيف يفكر العامة الذين لا يعرفون أصلاً كلمة ديمقراطية.

emadiraqi @yahoo.com