تعتبر الجامعات من الصروح العلمية المهمة التي تعزز كيانات الأمم وتسهم بشكل مباشر في مد أبنائها بالمعارف والعلوم المهمة التي تفتح لهم آفاق الوجود والإدراك. ولا تعتبر الجامعات بأي حال من الأحوال في جوهر وجودها، المكان الذي ينتظر منه أن يخرج أناسا يسدون فقط احتياجات الوظائف في أسواق بلدانهم بالمعنى السطحي أو الحرفي للكلمة،
بل هي تسهم في تخريج فئات من الشباب يتم تعليمها بحيث تكون مهيأة لإدارة دفة أمور حياتها كافة، بما في ذلك سد احتياجاتها المادية وخلق الاكتفاء الذاتي لها وللمجتمع، بجانب كون هذه الصروح العلمية تمثل الخزانة التي تسهم في رفد مجتمعاتها بالأفكار التي تشكل ركيزة المجتمع المعرفية والفكرية.
ولأن الجامعات لا يقتصر دورها فقط على تعليم الشباب في مجالات المهارات العقلية والمعرفية المختلفة، وإنما هي تمثل البوتقة التي تنصهر فيها رؤى الأمة وشخصيتها وكيانها المعرفي والثقافي والفكري، فإن أي إخلال بتلك المنظومة يؤثر بالدرجة الأولى على وجود الأمة ككل.
ومن أخطر الممارسات التي بتنا نلمس شيئاً منها في مؤسساتنا التعليمية، تلك التي تصب بالدرجة الأولى في مجال التشكيك في أهمية أو صلاحية الكيان الثقافي لأمتنا. وأقصد بالكيان الثقافي هنا كل ما يشكل ركائز الأمة، وأهمها مرجعيتها الإيمانية. ولأن هناك خطورة كبيرة يتضمنها ما يسمى ب»الخطاب العلمي»، أي الدراسات التي تخرج من مؤسسات علمية ومدموغة بصفة العلم،
كونها تعتبر عند البعض، وهذا البعض يشكل أكثرية في الكثير من المجتمعات، من المصادر التي يتم الاعتماد عليها، ليس فقط في تشكيل صورة ذهنية عن الموضوعات أو المجتمعات محل الدراسة، بل إنها تسهم وبشكل مباشر في رسم السياسات واتخاذ القرارات في، وضد دولها.
وحتى لا ندور كثيراً في فلك الإطار الفكري، وإنما نضع نموذجا ملموسا لما نقصده سوف أركز هنا على ورقة بحثية كتبها أحد العاملين الأجانب في جامعة من جامعاتنا ممن يتبوأون مركزاً حساساً فيها.
وهي ورقة ركز فيها على المقارنة بين دولة الإمارات واليابان، وتحديداً في النظر حول سؤال «كيف ولماذا تقدمت اليابان وتخلفت الإمارات» ولن ندخل هنا في مجال مناقشة الخلفية التاريخية لظروف نشوء اليابان الحديثة ولا لظروف نشوء دولة الإمارات، رغم أهمية هذا الإطار في فهم تجربتي الدولتين، لكننا فقط سنركز على بعض النقاط المهمة التي وردت في تلك الورقة.
يبدأ الباحث ورقته بطرح بعض الرؤى حول مفاهيم الصور النمطية واشكالياتها مركزاً من خلال استناده على بعض المقولات على مفهوم أن البشر لديهم من الخصائص ما يجمع بينهم أكثر مما يفرقهم، وهذه بداية قصد منها القول إنه لا يستعمل هنا في دراسته أية أحكام قائمة على الصور النمطية أو الحكم المسبق تجاه ما يتناوله،
لكنه حين يبدأ في طرح مقارناته بين اليابان ودولة الإمارات فإنه لم يستطع الفكاك من كل الدمغات التي اتسم بها الخطاب الأوروبي الاستعماري في حديثه عن «الشرق العربي» تحديداً.
ومن بين تلك النقاط نظرته على أن من السمات السلبية لمجتمع الإمارات اعتماده على ما أسماه ب«الأصولية القرآنية» والجهادية، وهما «اشكاليتان»، كما يقول، فاقتا في تطرفهما مواقف الجماعة اليابانية المتطرفة التي قامت برش الغاز القاتل في مترو الأنفاق في اليابان.
ولا شك أن «الأصولية القرآنية» مصطلح جديد بدأ يظهر لنا من خلال هذه الورقة، لكن ليس من المستبعد أن نرى استعماله متداولا في المستقبل. لأن الهجمة الأساسية التي تشن على مجتمعاتنا هذه الأيام مقصود بها بالدرجة الأولى إفراغ كيان أمتنا من مرجعيتها الإيمانية، نظراً لأن الاستعمار الحديث يرى فيها أحد أهم المعاقل التي تشكل نقيضاً لطموحاته.
ومن هنا جاءت صياغة النظرة لهذا الجزء الإيماني في الأمة على أنه عدواني ومتطرف ولا إنساني، وفرغته من كل قيمه الإيجابية. هذا على الرغم من أن كاتب الورقة قد قضى زمنا طويلا في اليابان ويحمل، كما تشي ورقته كثيرا من التقدير لما أسماه بأعمدة اليابان الفكرية والثقافية،
وهي فلسفاتها الشرقية، لكنه من الواضح حين قدم للعمل في دولة الإمارات لم يكلف نفسه عناء البحث في ركائز أمتنا أو دراسة مكوناتها، بالرغم من أن اليابان بلد أثرت مكتباتها دراسات مهمة قام بها بعض المفكرين اليابانيين حول أشكال التقاطع بين الرؤى اليابانية الإيمانية، كالبوذية، وبين الإسلام،
بما في ذلك نظرة الإسلام للمرأة أو النظرة الجوهرية للوجود والقائمة على رؤيته ككيان متجانس، وهي فكرة مركزية في الفلسفات الشرقية، لكن عدوانيته تجاه الفكر الإسلامي وجهله باللغة العربية وثقافاتها حالا دون نظرته العميقة أو الموضوعية لهذه الأمور.
النظرة السلبية الأخرى تجاه الإمارات وشعبها جاءت في شكل تعريف ثقافة هذا الشعب على أنه شعب سلبي لا يواجه التحديات وغير منتج، ويعتمد في قيم عمله على مفهوم «إن شاء الله»، وهو يقصد هنا ليس التواكلية فقط، وإنما عدم إنجاز الأعمال في وقتها.
ويقول أيضا إن الوقت لدينا ليس له زمن تحديدي وإنما هو زمن مطاطي ليس له قيمة، وأننا كشعب منغلقون على أنفسنا وأننا على عكس اليابان، فيما يتعلق بالحوار وديمقراطية التعامل، حيث تسود في الإمارات كما يقول سمة التعامل الفوقي للسلطة والمركزية و«تصدير الأوامر».
أما من ناحية التنمية الاقتصادية فإنه يرى أننا مثل بعض الدول الافريقية التي ظهر بها النفط، ولكنها بدلاً من استخدامه في التنمية الحقيقيةاهدرنا امواله، وهذا تماماً على العكس من بعض الدول الأوروبية التي ظهر بها النفط.
هذه بعض النقاط التي جاءت في ورقة هذا الباحث والتي تحمل بشكل واضح موقفا عدائيا تجاه المجتمع وثقافته. ونحن عندما نتصدى لتفنيد مثل هذه الكتابات لا نتصدى فقط من منطلق الإحساس بأن مثل هؤلاء «الباحثين» يسيئون النظر لثقافتنا وركائزنا الفكرية والإيمانية
ويسعون بكل جهودهم إلى تقويضها، بل هم بنفس القدر يسيئون إلينا جميعاً عندما يتهمونها بالمركزية المطلقة، أنهم ضمنياً لا يروننا ولا يرون ثرواتنا، إلا من خلال النظرة العنصرية والاستعمارية التي يحملونها للعرب وللمسلمين.
ترى كم من الشواهد نحتاج حتى ندرك أن هناك هجمة شرسة علينا تعتمد تقويض وجودنا كيانا ولغة، وتتمثل، ليس فقط في الخطابات الفكرية التي تشاع عنا، وإنما في اعتماد مثل هذه الرؤى في جامعاتنا بحيث تعرض شباب هذه الأمة للتشكيك في قيمه ودينه وثقافته، وتسحب منه حق تقرير مصيره وبناء مجتمعه دون وصاية أو تدخل.
جامعة الإمارات