في آخر زيارة لها إلى بريطانيا، صرحت وزيرة الخارجية الأميركية، كوندوليزا رايس، في كلمة ألقتها في مدينة بلاكبيرن، أن الولايات المتحدة، قد حققت هدفها الاستراتيجي في العراق، وهو إسقاط نظام صدام حسين، رغم ارتكابها آلاف الأخطاء التكتيكية.
لسنا هنا، بصدد الدخول، في جدال مع الوزيرة، حول الفروق بين الأخطاء الاستراتيجية والتكتيكية، فقد كفانا خبراء كبار، مشقة ذلك، فهذا الجنرال أنطوني زيني، القائد الأسبق للقوات المركزية الأميركية، في تصريح لمحطة (إن بي سي)، يدعو الوزير رامسفيلد للاستقالة، معتبراً الأخطاء الكثيرة، التي وقعت فيها الولايات المتحدة، في العراق، أخطاءً استراتيجية، وليست تكتيكية، كما تدعي رايس.
وهذا بريجينسكي، مستشار الأمن القومي، في زمن الرئيس الأسبق كارتر، يقدم للرئيس بوش، قبل أيام، برنامجاً للانسحاب من العراق، يقول عنه «إن مثل هذا البرنامج إذا أنجز خلال سنة، يمكن أن يؤدى إلى إغلاق القضية، بطريقة لا يمكننا فيها الحديث عن انتصار».
من المرجح، أن تكون هذه المبالغة في ذكر الأخطاء، هي لغرض إثارة اللغط الإعلامي، لتسليط الضوء على الوزيرة نفسها، وهذا ما حدث فعلاً. ومع ذلك، هنالك من يحسب هذا التصريح لصالحها، في ضوء أحكام متحضرة، أفرزتها ثقافة مرهفة، تعتبر الاعتراف بالخطأ فضيلة، رغم أننا قد اعتدنا، نزق الساسة الأميركان، وليس تواضعهم.
لكن هنالك فروقات، قد تكون كبيرة جداً، بين خطأ وآخر، فإخلاف موعد مُسبق، خطأ يستوجب الاعتذار، كما أن ارتكاب خطأ مروري، قد يسبب الأضرار المادية أو الجسدية، و يستوجب دفع الغرامات والتعويضات، وقد يؤدي إلى السجن أحياناً. ولكن أخطاء الساسة، أو أخطاء الحكومات، غير أخطاء الأفراد، فتداعياتها تنسحب على آخرين كثر، في بلدانهم أو في خارجها.
فالأخطاء التي تتحدث عنها الوزيرة، قد تسببت في مقتل عشرات الآلاف من العراقيين، ودمرت البنية التحتية لبلدهم، وساهمت في تمزيق نسيجه الاجتماعي، ووضعت مستقبله، موضع القلق والتساؤل، ناهيك عما سببته، من عدم استقرار وقلق، في منطقة الشرق الأوسط برمتها.
ألا ترى الوزيرة رايس، بأن لكل عمل، مُدخلات ومُخرجات، وله توازن محسوب بين الربح والخسارة، فهل تستطيع، من هذا المنطلق، أن تُقنع، من يعيش، أحداث الواقع اليومي المر، في المدن العراقية، بأن آلاف الأخطاء التكتيكية، التي ارتكبت، قد أبقت شيئاً من بريق النجاح الاستراتيجي المتواضع، الذي تدعيه، وهو إسقاط دولة، كانت على شفا الانهيار من الداخل.
ومما يثير الغرابة حقاً، أنه في نفس اليوم، الذي أدلت فيه الوزيرة، بتصريحاتها المُدوية، وهو الحادي والثلاثون من مارس المنصرم، نفت واشنطن، وعلى لسان المتحدث بلسان وزارة خارجيتها، آدم إيرلي، أي تدخل للولايات المتحدة، في العملية السياسية العراقية، وذلك رداً، على ما تناقل من أخبار، عن طلب الرئيس الأميركي، تقديم مرشح آخر لرئاسة الوزارة العراقية.
فهل ارتكبت، الولايات المتحدة، آلاف الأخطاء التكتيكية، في العراق، دون أي تدخل في شؤونه السياسية ؟، أي لغز صعب يواجهنا ؟. قد تتضارب المواقف، بين وزارتين حول مسألة معينة، كما تناقضت بعض التصريحات أحياناً، بين الخارجية الأميركية والبنتاغون خلال رئاسة بوش الأولى، حينما كان كولن باول، وزيراً للخارجية، بسبب الاختلاف في المنهج السياسي للوزيرين.
أما أن تتناقض التصريحات في الوزارة نفسها، وفي اليوم نفسه، فأمر يدعو حقاً للتوقف، إذ لا يمكن تفسيره، بغير تخبط الإدارة الأميركية في استراتيجيتها في العراق، في وقت تشهد فيه، شعبية الرئيس الأميركي انخفاضا، إلى أدنى مستوى (32%)، وفي أجواء زيادة الضغوط، على إدارته، وعلى إدارة حليفه البريطاني بلير، لوضع جدول لانسحاب قواتهما من العراق.
إن تعثر الفرقاء العراقيين، في الوصول إلى اتفاق لتشكيل الوزارة، بعد مرور ما يقرب من أربعة أشهر، على الانتخابات النيابية، وفي أجواء العنف المتصاعد في العراق، تتزايد المخاوف الأميركية، من فشل مشروعها في الشرق الأوسط.
ولتلافي ذلك، تحشد الإدارة الأميركية جهوداً كثيفة، غير مسبوقة، للتأثير على المعادلة السياسية في العراق، فزيارة الوفود لم تنقطع عن العاصمة العراقية، في الفترة الأخيرة، ولكن دون جدوى، ويبدو أننا أمام ولادة متعسرة للوزارة الجديدة، تتطلب تدخل نطاسي من وزن أكبر.
وهكذا هبطت الوزيرة رايس، مصطحبة نظيرها البريطاني، فجأة في مطار بغداد، في الثاني من أبريل الجاري، في نفس الوقت الذي تصاعدت فيه، أصوات من داخل كتلة الائتلاف العراقي الموحد، تطالب المرشح لرئاسة الوزارة بالانسحاب، ممهدة بذلك، الأجواء المناسبة، لعملية قيصرية للمولود الجديد. ولا ندري، فيما إذا كانت زيارة رايس هذه، مع نظيرها البريطاني، ستضيف المزيد من الأخطاء، إلى سجل الإدارة الأميركية، أم لا.
من الواضح، أن الأخطاء، التي تتحدث عنها الوزيرة الأميركية، لم تلحق ضرراً كبيراً، بالمصالح الأميركية، وإلا لتساءلنا، عن عدد الأخطاء، التي ترتكب، والتي تكلف الوزيرة رايس مركزها، وربما مستقبلها السياسي.
فالحديث هنا، عن الأخطاء التي لا تضر بمصالح بلدها، أو على الأقل، لا أحد يطالب الإدارة الأميركية، بتعويضات عن تداعياتها، فحقوق الضحايا الأميركان، مضمونة لهم أو لورثتهم، في أطر القوانين الأميركية.
فمن يدفع للعراق ثمن آلاف الأخطاء التكتيكية؟
كاتب عراقي
majamal@emirates.net.ae