زمان كنت لاعباً من الدرجة العاشرة ومشجعاً يخفق قلبي مع كل هجمة يشنها لاعب من فريقي الذي أفضله وأشجعه، وزمان ايضا انهمكت كثيراً في متابعة دوري الكرة ومباريات الكأس، واذكر أنني وصلت إلى المستوى الذي افرغ نفسي من كل الالتزامات وأقطع عشرات الكيلومترات لمشاهدة مباراة.
وتوغلت في بعض الأحيان في عمق تجربة التشجيع ، فحفظت أسماء اللاعبين ولصقت صور بعضهم على كتبي وكراريسي وجدران غرفتي، وكانت هذه الكرة البيضاء ذات البقع السوداء هي العالم بأسره والكرة الأرضية حينما تدور. شغلتني الكرة بعض الوقت ووجدت فيها تسلية وحرارة الوصول والفوز، ذقت طعم الفوز مثلما ذقت طعم الخسارة.
ثم فجأة انسحبت دون ان يشعر بي احد مثلما أتيت ولم ينتبه لي احد، فأنا في النهاية صفر في خانة هواة اللعبة ومحبيها ومشجعيها الحقيقيين، أولئك الذين وصل بهم التقمص والتمثل إلى ما وصل.
وفجأة وكأنني لم أمر يوما بملعب اخضر، تخليت عن الكرة وتشجيعها، مضيت في الحياة بعيدا، استغرب مشادة كلامية بين اثنين من ناديين خصمين فأسخر منهما..
كيف تجري الحياة بمرها وحلوها أمامهما وحولهما دون ان يشعرا بها بقدر انغماسهما في دوران هذه الكرة المنفوخة بالهواء، وكأنني لست كباقي الناس، مضت السنون وانا اسمع وأراقب من بعيد وبخجل، انقطع عن التواصل فجأة وأعود من بعيد فجأة، إلى ان انستني هواجسي متعة اللعب وحرارة التشجيع وتلاشى الإعجاب.
انا فاشل في اللعب، فاشل في التصويب، فاشل في الصياح والتشجيع، فاشل في متعتها، فاشل في ان اكون كمثل الآلاف، بل الملايين من عشاقها، هكذا وصلت قناعتي مواصيلها، أدارت الكرة رأسي ثلاثمئة وستين درجة مثلما أدارت هي الصراعات والعشق معا.
اليوم حالي، كحال من فقد ظله، أجرد لا أعرف كيف يمكن أن يتسرب عشقها إلى مفاصلي التي يسحبها العمر إلى دكك الاحتياط، ليست دكك الملاعب، بل دكك الحياة وأنا أحارب طواحين العمر جزافا!!
أمر على الحي المقابل في طريقي اليومي، صبية نصبوا عارضة خشبية، حفي الأقدام يعلوهم غبار كالسحاب يركضون باتجاه بعضهم البعض ، رؤوسهم مكتنزة بلعبة وغوايتها، يترآى لي فيهم أبطال ونجوم وفيهم على الهامش مثلي، يسرقون بصري للحظات.
يركلون كامل المشهد أمامي، يزيحون بضربة مباشرة ستار مسرح الذكرى، زملاء عشقي الطفولي، الأحلام القديمة، أحبائي وحبيباتي، التراب الذي لم يطأه أحد، الهدوء، الفضاء الواسع، المارة الذين تحفظ وجوههم وتستطيع أن تعدهم، المشهد بلا ازدحام سيارات، بلا نتوءات على خد السكينة.
ولا بثور، بلا رصاص ومسدسات، بلا قتلى حوادث سير، بلا لصوص، بلا مشعوذين، بلا مزوري عملات، بلا تجار تأشيرات، بلا عمالة سائبة، بلا مظاهرات وإضرابات عمالية، بلا ضجيج مطلقا.
آه ليت الكرة تسرقني من جديد لدورانها فتخض هذا اليافوخ وتنفض عنه شيئا من الهم، شيئا من الاغتراب، شيئا من هذا القبيل!