هو نفسه الخطاب العربي يتكرر في كل مناسبة تنعقد فيها القمة العربية، تتحول وسائل الإعلام وتقارير المراسلين وأصواتهم البائسة إلى فيلم تراجيديا، وكذلك الحال مع المقالات وافتتاحيات الصحف، والتحاليل الإخبارية والمقابلات التلفزيونية.

باختصار يتحول كل شيء إلى مجالس عزاء تندب حظ العرب وتولول على الحال الذي آلوا إليه. ومما زاد من التعقيد هذا العام أن القمة انعقدت في الخرطوم، ولقمة الخرطوم ذكرى عظيمة في نفوس العرب، فقمة الخرطوم ذكرتهم بقمة 67 أو قمة اللاءات الثلاث.

تلك القمة العظيمة والمفصلية في تاريخ العرب الحديث، فهذه الذكرى الأليمة زادت من ألم العرب ومن حسرتهم، كيف كانوا وكيف أصبحوا اليوم ـ لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، إنا لله وإنا إليه راجعون ـ.

نعم صحيح إن حال العرب تردى كثيراً وهو في نكسة سياسية وثقافية، نحن لا ننكر هذا الشيء، ولا نختزل الأحداث والوقائع أو نحاول القفز عليها. ولكن الأمور لا تعالج بهذه الطريقة البائسة والحزينة والمليئة بلغو المفردات الكئيبة، لا بد أن تعالج الأمور بطرق أكثر عملية وواقعية.

ولكن يبدو أن الخطاب العربي لا يزال يراوح مكانه، فهو رهين أدبيات التشاؤم واليأس، أو رهين تيار التغريب واللامبالاة أو تيار احتكار السلطة.

فنحن معشر الشباب ـ في جزء منه وليس كله ـ المهمش البائس، منذ أن بدأنا نعي الحقائق على وجه الأرض ونحن لا نسمع ولا نرى ولا نعقل ولا نبصر إلا مفردات التردي والنكسة والهزيمة والتخلف وإنه لا فائدة ولا جدوى ولا ولا ولا.

لا أنكر اننا عشنا فترة جميلة من العمر، - ربما بسبب تأثير الدراسة أو القراءة أو بعض من مدرسينا العرب - عندما كنا معبئين بخطب عبد الناصر القومية والحماسية وبشعارات الثورة وبأغاني عبد الحليم القومية منها على سبيل المثال، تلك الأغنية التي ما زلت أذكرها ( أحلف بسماها وترابها).

عندها كانت وتيرة الحس والولاء العروبي مرتفعة جداً، مما كان له أكبر الأثر على نفسية العمل والنشاط والعطاء والمناقشة. لا أقصد من هذا الحديث أن نرجع إلى عصر الخطب الرنانة والأغاني القومية أي بالمختصر عصر المثل والثورات ولا نعيش واقع الكآبة اليوم، لا بد أن ننظر للأمور بنظرة تكون أكثر واقعية وعملية.

لكن إذا رجعنا لمناقشة النقطة الأولى نلاحظ أن واقعنا العربي تسيطر عليه مجموعة من القوى التي شكلت ومازالت تشكل واقع الحال العربي وساهمت في رسم ملامحه بكل تفاصيله وتجاعيده، إذا حاولنا أن نعددها على سبيل المثال لا الحصر يمكن أن نوجزها في النقاط التالية:

1- تيار المحبطين والقانتين وهم إما أن يحصلوا على كل شيء وفجأة بواسطة ثورة أو معجزة، أو إنه لا فائدة من العمل والحديث.

2- تيار اللامبالين وهم بالطبع أسوأ التيارات، وهناك أنواع كثيرة تندرج تحت هذا التيار، فمنهم على سبيل المثال من يغلب مصالحه الخاصة على مصالح الأمة العامة، فلا مجال أصبح للتضحية أو لتجاوز الخلافات الشخصية مقابل مصالح الأمة كما كان يحدث في الماضي، فأصبحت التضحية بالمنجزات وبالثوابت والقيم أمر هين.

كما أن هناك فئة من الشباب منضوية تحت تأثير هذا التيار فهم لا يعنيهم أي شيء سوى المرح والفرح وهم نتاج للبرامج التلفزيونية المعلبة ومسابقة الأغاني وأجمل صوت وأجمل رقصة وأجمل أداء وما إلى ذلك من تفاهات.

أو إنهم لا يعنيهم ما يدور حولهم من قضايا. والمشكلة تكمن في أن شريحة كبيرة من الشباب منضوية تحت تأثير هذا التيار، والكارثة والأدهى أن الإعلام بات يستقطع أوقاتاً كبيرة من برامجه لدعم هذه الفئة ومحاولة إبراز مواهبها الفنية الفذة. ألا ليت قومي يعلمون كم من الطاقات البشرية الشابة تهدر ربما لأسباب مجتمعية أو سياسية.

3- تيار التغريب هذا التيار الذي بدأ يؤمن بكل ما هو أجنبي وغربي وأميركي وبدأ يظهر هذا النموذج في العالم العربي بقوة في الفترة الأخيرة، خاصة في العواصم الخليجية، وبدأ يتغلغل نفوذ هذا التيار في المؤسسات التعليمية والعملية والثقافية وذلك بجعل اللغة الإنجليزية هي لغة التخاطب الرئيسية وتهميش اللغة العربية.

والتدخل في المناهج التعليمية بحجة الإصلاح، ودخول أنماط غربية وأميركية على كافة أوجه الحياة، حتى أصبحت العواصم الخليجية في نسبة كبيرة منها نسخ مكررة من بعضها البعض، فلا معالم ولا هوية تميز مدينة عن أخرى.

4- التيار الذي يحتكر السلطة، ولا يتزعزع عنها أبداً ولا لأي سبب من الأسباب، وهذا التيار لا يقتصر على النخب الحاكمة فقط، وإنما يمتد ليشمل معظم نخب المؤسسات والإدارات والمراكز والأحزاب حتى تلك التي تطالب النخب السياسية بإرساء مبدأ الديمقراطية، فأغلب هذه النخب تتصرف مع الإدارات والدول والأفراد بأنها ملك لها .

وكأنها ورثت الدنيا وما عليها.ولم تنفع الدعوات الإصلاحية في بناء دولة المؤسسات التي بدأت تطرح في الآونة الأخيرة فقد توقفت هذه الدعوات الإصلاحية بتوقف الضغط الخارجي الأميركي. فجاء خطاب القمة العربية الأخيرة خال تماماً من أي دعوة أو رسالة للإصلاح.

5- أما التيار الآخر فهو الذي ينادي من بعيد يبحث عن صوت الحرية والعدالة والمساواة، هو الذي يغلب مصالح الوطن على مصالحه الذاتية، يهتم بقضايا الوطن بالدرجة الأولى.

ولكن للأسف هذا التيار دائماً يكون مهمشاً وبعيداً عن الأنظار ربما لأنه لا يتسلق على أي مصالح ذاتية حتى يصل للأنظار، يظل بعيداً يعمل في الخفاء للوطن ومن أجل الوطن، ولكنه يبحث مرة عن صوت الحرية، فأعطوه فرصة، لربما...

قد تكون هذه النماذج من التيارات أحد الأسباب التي جعلت القمة العربية الأخيرة في الخرطوم باهتة، وغيرها بالطبع من القمم العربية، فمثل ما بينت سابقاً فمنذ أن بدأنا نعي الأمور ونحن لا نفقه إلا خطاب الهزيمة والنكسة.

وبعد ذلك دخل علينا خطاب اللامبالاة والمرح والفرح في ظل عائدات نفطية واستثمارية لا مجال لحصرها أو لمها ناهيك عن غياب استراتيجية جادة للنهضة بتطوير الإنسان.