لم يعد خافياً أن حماس تنتمي للتنظيمات الإسلامية التي يغلب عليها الطابع الوطني. بمعنى أن إيديولوجيتها الإسلامية لا تدفعها للنشاط السياسي والجهادي في حيز أوسع من إطارها القطري، الذي يقتضي منها التركيز على قضية التحرر الفلسطيني.

وهذا يجعلها تقف على مسافة من التنظيمات الإسلامية العالمية. التي ترى في تغيير الدنيا كلها وربما أسلمتها، أو أقله تصحيح مسار المجتمعات الإسلامية وإقرار الحاكمية لله وشريعته مقدمة لتحرير فلسطين مرة واحدة.

مؤدى ذلك أن حماس تقر بوجود إسرائيل كأمر واقع وأن هذا الوجود سوف يصاحب المسلمين والعرب، وقبلهم الفلسطينيين، إلى أجل زمني يصعب تحديده.

ومن البديهي أن يسوقها هذا الإقرار إلى اشتقاق الوسائل اللازمة للتعامل مع هذا الأمر الواقع، بما يحجم خطره من ناحية، ولا يقطع عليها حلم وربما واجب المشاركة في استئصاله من ناحية أخرى.

هذا ما يمكن فهمه من خلال منهجية تحليلية تمزج بين مواثيق حماس وخطابها ومرجعيتها الإيديولوجية، وبين سلوكها وبرنامجها السياسي وأدائها العملي.

ومن قراءة هذا المزيج نستيقن بأن هذه الحركة تُسوغ التفاوض مع كل من له صلة بقضيتها الوطنية دون استثناء إسرائيل. لكنها تَحُفُ هذا التكييف بضوابط محددة..

كأن لا يفرض عليها الأخذ بالتفاوض كوسيلة وحيدة. ولا أن تتخلى عن سلاحها، ولا أن يطلب منها الاعتراف المسبق بإسرائيل. هذا علاوة على تحديد أسانيد التفاوض وأطره القانونية وفترته الزمنية، والتخفف من الأعباء والقيود التي أمليت على الطرف الفلسطيني في مراحل تفاوضية سابقة.

بالنسبة للبعض تبدو هذه الضوابط مدعاة للاستهجان. ويحاجج الإسرائيليون ومحازبوهم على ضفتي الأطلسي، بأن ما تعرضه حماس لا يستقيم وفطرة التفاوض.

وفي إحدى المناسبات، كاد مسؤول إسرائيلي يصف حماس وقيادتها بالجنون لأنها تفكر بهذه الطريقة! على أنه عند وضع منهجية حماس على محك التناظر العقلاني، يتبين مدى منطقيتها واتساقها مع أصول وقواعد نظريات التفاوض وكذا مع التقاليد والسوابق التفاوضية.

فمن المنظور الفقهي، ليس ثمة سند للزعم بأن التفاوض بين طرفين يستلزم حتماً اعترافهما المتبادل بشكل قبلي، لاسيما وأن المفاوضات عادة ما تجرى بين أعداء متشاكسين.

وفي حالة إسرائيل بالذات لابد أن يثار السؤال عن ماهية الدولة جغرافياً وسكانياً التي يراد الاعتراف بها. هذا وإلا سيقت حماس، إلى السماح لهذا الكيان أو الكائن السياسي بتعيين حدوده على نحو يحتمل اقتطاع أراض فلسطينية أو عربية يحتلها منذ 1948 أو 1967.

إلى ذلك، فإنه سبق لإسرائيل أن فاوضت العرب على شروط هدنة 1949، وذلك عبر أطرافٍ ثلاثة ومن دون أي اعتراف منهم بها. كما سبق لها احتلال سيناء المصرية وقطاع غزة عام 1956 والانسحاب منهما عام 1957 .

ولم يفاوضها أو يعترف بها وقتذاك أحد من العرب. وليس مثل إنسحابها من جنوب لبنان التي احتلته لأكثر من عقدين، دون أن يعترف لبنان بها ببعيد. وعموماً فإن التفاوض مع إسرائيل شيء والاعتراف بها شيء آخر. ولعل هذا التمييز هو الذي يجول بعقل حماس السياسي وهي تجادل حول هاتين القضيتين.

في كل حال، لا تستبعد حماس قضية التفاوض مع إسرائيل. وهي في حقيقة الأمر، تضطلع بشيء من هذا القبيل وإن بشكل مبتسر.

فعناصرها يشرفون ويديرون مجموعة من المجالس البلدية في الأرض المحتلة، الذي يستدعى منهم التنسيق مع مؤسسات إسرائيلية حول تيسير عدد من الخدمات الوثيقة الصلة بالحياة اليومية للمواطنين الفلسطينيين. لكن المرجح أن تتقيد الحركة بنمط «التفاوض ومن غير المباشر».

وهو أمر يفترض إنه لا يمثل جديداً فارقاً في تجارب التعامل العربي الإسرائيلي على ما ألمحنا أعلاه. كذلك فإن حماس بمطلبها لهذا النمط التفاوضي، إذا ما تم التمترس خلفه، لا تعرض لظاهرة مخالفة لبعض الحقائق الموجودة بالفعل منذ فترة بين يدي هذا التعامل.

إذ ما معنى وجود لجنة الوساطة الرباعية الدولية، والمداخلة الأميركية على مدار الساعة في غمرة التفاعلات على مختلف مسارات التسوية غير أن الأطراف الثالثة تقوم بدور واضح في قضايا التفاوض؟

على أن هذه المرافعات والأسانيد العاطفة على موقف حماس من قضية التفاوض، لن تقنع تل أبيب ومحازبيها باستئناف عملية التسوية فيما حماس هي الطرف المعني بالشراكة على الجانب الفلسطيني.

إن حماس بمنهجها وخطابها وسقوفها للتسوية الفلسطينية تضطلع بنموذج للشراكة لم تعهده إسرائيل منذ صبغة مدريد لعام 1991.

كما إن هذا النموذج لا يتسق أو يستجيب للتقاليد التفاوضية التي طالما دافعت عنها إسرائيل واستعصمت بها.. وابدتها التفاوض المباشر مع كل طرف عربي على حدة، ولا مكان لمرجعية الشرعية الدولية بشكل حقيقي.

ولا شراكة لطرف فلسطيني لا ينصاع للإملاءات الإسرائيلية المفروضة بحكم موازين القوة. ولأن حماس أبعد عن التعامل تحت هذه الشروط، فإن السيناريو المتوقع في الأجل المنظور على الصعيد الفلسطيني الإسرائيلي لا يتضمن مشهد التفاوض من الأصل.

وقد يعتقد البعض أن تشغيل دولاب التسوية يمكن أن يجرى بعد إحالة ملف التفاوض إلى منظمة التحرير الفلسطينية التي لا تعبر رؤاها على رؤى حماس.

بل وثمة من يتصور أن انضواء حماس في زمرة المدافعين عن مبادرة قمة بيروت العربية للعام 2002، ربما يسهل أمر التفاوض بينها، وبين إسرائيل، على محمل أن المبادرة لا تستند إلى رؤية حماس ولا تخضع لإملاءات إسرائيل!

غير أن الاتكال على هذين التصورين، يفترض أن إسرائيل كانت بالفعل تفاوض بحسن نية مع المنظمة وجاءت حماس لتعطل هذه السيرورة.. وهذا غير صحيح.

كما يفترض أن إسرائيل وافقت أو ستوافق على المبادرة العربية المشار إليها، وهذا بدوره غير صحيح.

والحال كذلك، فإن الأفق لا يبشر بتفاوض جدي ولا هزلي على المسار الفلسطيني الإسرائيلي. ولنا أن نتأكد أكثر من هذه القناعة، إذا تذكرنا ما ينذرنا به إيهود أولمرت وحزبه كاديما.. وهو الخطوات الأحادية الجانب التي ستجرى في رحاب الضفة بمعزل عن أية شراكة مع حماس أو غيرها. هذا ما لدى الإسرائيليين.. فماذا عن الفلسطينيين والعرب؟!

كاتب وأكاديمي فلسطيني