ربما تعود أسباب الضجة الإعلامية التي سبقت وصاحبت اجتماع القمة في الخرطوم إلى ازدياد أرقام التحديات المقلقة التي تواجه العالم العربي والتي تضعه هذه المرة أمام حقيقة فلسفة شكسبير الثنائية الاختيار: (أن يكون أو لا يكون).
مع أن العالم العربي قد اختار النصف الآخر منذ زمن طويل حيث معظم الدول العربية تجلس على صفيح ساخن يمنعها حتى من التفكير في نفسها: العراق ومواجهة أكثر من تحد:
فالقوة العسكرية التي جاءت بمساعدة بعض العراقيين لتخليصهم من نظامهم السابق الذي أذاقهم الأمرين، تحول نفسه بعد فترة قصيرة من منقذ إلى محتل (بنية البقاء لفترة قد تمتد مدى الحياة ما دامت أرض العراق تخفي تحتها أهم مصدر للطاقة في العالم) .
والنتيجة الحتمية لمثل هذا الاحتلال الأجنبي والتي تتمثل فيما تتمثل فيه انفجار الحرب الطائفية والقتل العشوائي والذي لا يبدو في الأفق أنه سينتهي قريبا.
فكانت القمة للعراقيين تمثل تطمينا داخليا بأن كل شيء على ما يرام وأننا نحضر اجتماعات على مستوى القمة والحياة تسير إلى الأفضل، وهي سياسة النعامة التي تخفي رأسها في الرمل هروبا من حدة أنياب الذئب!
اتجاه إلى سوريا: والحصار السياسي الذي أعقب الحصار المعنوي والخروج من لبنان والانتظار على أحر من الجمر للحركة التالية للقبضة الأميركية المعلنة رسميا ومنذ وقت قصير في وجه النظام السوري .
والذي قد يحيل سوريا إلى عراق ثان أو تغيير النظام وإحلال الفوضى الداخلية التي تترقبها بشغف الجارة الطيبة القلب (إسرائيل). وحيث أن العيش على الأعصاب أكثر تدميرا من الحرب الدامية نفسها.
وانتظار خلع السن أكثر إيلاما من لحظة خلع السن نفسه، فإن القمة مثلت لسوريا ما تمثله أحلام اليقظة للطالب غير المجتهد الذي يتوقع الدوائر الحمراء في شهادة نهاية السنة الدراسية:
وتدرك سوريا في ضميرها الواعي بأن بعض الزعماء العرب حضر إلى قمة الخرطوم هروبا لأسباب مشابهة ومشاعر مماثلة. أما لبنان، فهي ربما أكثر الدول العربية حاجة إلى اجتماع عائلي كهذا:
فقد وجد لبنان الذي يعاني من خلافات طائفية مزمنة، (ومن الواضح أن الخلافات الطائفية يمكن الإدمان عليها مع الوقت) فقد وجد في القمة راحة بال لا مثيل لها: فعندما تكون أمام مصائب الآخرين تهون عليك مصائبك.
فبمجرد إلقاء نظرة على الوجوم الذي يكتنف وجوه الآخرين تأكد له أنه ليس أسوأ حالا من غيره... خاصة عند النظر إلى مقعد فلسطين الخالي في القمة.
بالرغم من حماسنا وسعادتنا لوصول حماس إلى كرسي الحكم، والذي يمثل للأمة الإسلامية والعربية انتصارا عربيا إسلاميا نادرا للديمقراطية المثلى التي تخطط الولايات المتحدة لتطبيقها في الشرق الأوسط (دون دراسة وافية مسبقة لتركيبة المنطقة النفسية والعقائدية) .
والذي وقف كالشوكة في حلقها بعد إعلان النتائج ولم تستطع بلعها، وما يمثله انتصار حماس كانتصار سياسي على سياسة أخطر أعداء الأمة الإسلامية قاطبة، إلا أن وضع الحكومة الفلسطينية الجديدة برئاسة حماس أصبح يثير الشفقة.
وتحول الانتصار إلى ضغوط دولية والتي ستتحول قريبا إلى كارثة على الشعب الفلسطيني! ليس فقط لأن الغرب وقف ضد هذه الحكومة الشرعية.
والذي بدأ بسحب ثقته ووقف مساعداته والذي توعدها إن استمرت حماس في الحكم دون الاعتراف بإسرائيل سيؤدي إلى قطيعة دبلوماسية وسياسية (وقد بدأتها كندا مبكرا قبل نضوج ما في القدر).
ولكن الأكثر حزنا أن يقف الكثير من العرب مرة أخرى متفرجين على الوضع المحرج للفلسطينيين ولم يجرؤ أحد (عمليا وفعليا) على تكليف نفسه بالدفاع عنها أو حمايتها وكلنا يعرف الأسباب:
الابتعاد عن مواقع الشبهة (في نظر النظام الأميركي). وكان موقف الفلسطينيين في المؤتمر متفرجا عن بعد، لأنه يعلم مسبقا بعدم جدوى استجداء من لا جدوى من وراءه، وهي خبرة اكتسبتها مما يقارب 60 سنة.
وتؤمن الحكومة الفلسطينية الحالية ـ استنادا إلى مبادئ القرآن والسنة ـ بأن التسول ترفضه تعاليم الدين الحنيف، وأن اليد العليا خير من اليد السفلى، وأن الله خير الرازقين.
أما الدولة المضيفة، السودان، فهي ليست أقل محنة من ضيوفها! فجرح دارفور ينزف ليل نهار. وهي حسب تصريحات بوش الأخيرة، ربما تنتظر نفس مصير سوريا وسابقتها العراق وقبلهما أفغانستان.
ربما الملاحظ في أصل الويل الذي تمر به الدول التي ذكرناها آنفا، وجود عامل مشترك يجمع بينها: الولايات المتحدة الأميركية.
إن اجتماع القمة في الخرطوم كان على غير عادته هذه المرة: فالزعماء العرب اكتشفوا فجأة أنهم في حاجة ماسة لأن يواجهوا مجتمعين صدمة التغيرات وانقلاب الأمور في المنطقة والتي فرضت عليها فرضا، وأن شهور بل قرون العسل التي بدأت بعد سقوط الأندلس اقتربت على نهايتها.
وأن المنطقة حبلى بضربات مستقبلية لا أول لها ولا آخر، وأن الموضوع (جد) وقد يستمر الحمل (لتسع) سنوات مقبلة على شاكلة الحمل الطبيعي إلى أن يتمخض الجبل عما لا يعلمه إلا الله.
وأن القلق كان مرسوما على وجوه الجميع ليس فقط أمام أصوات خطوات الذهاب والإياب المتسارعة في دهاليز غرف العمليات الجراحية (أميركا، روسيا، فرنسا، ألمانيا، بريطانيا) وكأن هناك أمرا ما خطير ينتظر اتخاذ القرار بشأنه، ولكن قلقهم أكبر من بداية تحرك مارد الشعب الذي كان نائما طوال قرون العسل!
ومن المؤكد أن الذي أيقظ هذا المارد الذي أيقظ معه أولياء أموره، ليست الشعارات ومكبرات الصوت التي أدمن هو أيضا على استهلاكها سماعيا، ولا حال الأمة التي ما عاد يخاف على مستقبلها و هو مستقبل أصبح في حكم اللاموجود، وإنما استيقظ جائعا من الجوع!.
إن المواطن العربي لم يعد يقرأ السياسة، ولا يهتم بها لأنها لم تملأ معدته: المواطن العربي لم يعد يهمه نهاية الصراع العربي الإسرائيلي ولا مقاومة الهيمنة الأميركية .
ولا تفكك القومية العربية ولا فشل اجتماعات القمم العربية، ولا حتى تقرير مصيره من خلال الانتخابات البرلمانية، كل ذلك لم تعد من اهتمامات المواطن العربي في الوقت الراهن، إن ما يطلبه هو لقمة العيش.
فالبطالة تضرب في كل متر مربع من خارطة العالم العربي الممزق، فنسبة البطالة في ازدياد ليس له نظير في الأعوام العشرة الماضية وهي بطالة غير مدروسة.
وفرص العمل تتضاءل يوما بعد يوم، والشهادات العلمية لم تعد تطعم خبزا، ولا الثقافة ولا الفن ولا الصدق ولا الأمانة. وقد نصدق ذلك في دولة كمصر يعيش على مساحتها الجغرافية أكثر من 70 مليون كائن بشري.
ولكن كيف نفسر وجود بطالة حقيقية وبطالة مقنعة في دول عربية أخرى غنية حيث المواطنون فيها يبحثون عن عمل في الوقت الذي يشاهدون فيه أمام أعينهم الأجانب يتمتعون بأعلى المناصب والوظائف ويقودون أفخم السيارات ويعيشون في أرقى الفلل والشقق المطلة على أجمل المناظر الطبيعية الخلابة، ويسهرون في أغلى الفنادق والمطاعم.
إن القضايا التي يجب أن تناقشها قمة الزعماء العرب في المستقبل يجب أن لا تخرج عن إطار حل مشكلة المواطن العربي، أولا: كسرة الخبز وكرسي المدرسة وسقف البيت الشعبي. فإذا توفرت مثل هذه الحاجات الأساسية فسوف تحل قضية فلسطين تلقائيا، وسيذهب المحتل إلى الجحيم وسوف ينام الحكام جميعا .
كما نام عمر بن الخطاب رضي الله عنه آمنا تحت الشجرة، ولن يحتاجوا إلى لاءات ثلاثة أخرى بعد 40 سنة وسيصرف ما صرف على القمة في زراعة حقول من القمح في السودان.
جامعة الإمارات
dralabodi@gmail.com