تولت حركة حماس السلطة الفلسطينية بعد انتخابات حرة وديمقراطية أتاحت لها الانتقال الهادئ والسلمي والديمقراطي من المعارضة إلى السلطة، وأكد الفلسطينيون بذلك إيمانهم الفعلي وممارستهم العملية لتداول السلطة وللديمقراطية، واستحقوا الإعجاب مرة جديدة بعد إعجاب العالم بصمودهم ومقاومتهم وانتفاضاتهم البطولية ضد الاحتلال، وتمسكهم بحقهم في تقرير مصيرهم واستعادة حقوقهم الوطنية من يد المغتصب رغم صعوبة الظروف المحلية والإقليمية والدولية.

لا يستطيع أحد الإنكار على حركة حماس حقها في تولي السلطة الفلسطينية وإدارتها في ضوء برنامجها الذي انتخبت على أساسه، وبعد أن فوضها الشعب الفلسطيني في داخل فلسطين أن تتولى قيادته.

ولعل هذه كلها من البديهيات التي تقطع الطريق على أي مُنكر أو مستنكر وتؤكد حق حماس الذي لا شك فيه ولا يساوم عليه بخوض تجربتها وتحمل مسؤوليتها، وما من أحد له الحق بمحاسبتها سوى الشعب الفلسطيني الذي انتخبها، والذي يمكنه سحب ثقته منها في الانتخابات المقبلة إن فشلت في إدارة السلطة أو في تنفيذ برنامجها.

إلا أن هذا لا ينفي التذكير بجملة من القضايا والمفاهيم والوقائع والصعوبات منها:

1- إن السلطة الفلسطينية ليست حكومة، ووزراؤها ليسوا وزراء وإنما هم مسؤولون عن إدارة قطاعات بعينها تتعلق بحياة الناس وتنظم شؤونهم، وبالتالي فالسلطة أقرب إلى الإدارة المحلية منها إلى الحكومة، لأنه ما من حكومة إلا في دولة مستقلة ذات سيادة، والحال أن السلطة الفلسطينية ليست كذلك، ولم يرد في اتفاقيات أوسلو التي أعطت السلطة وجودها وشرعيتها أية إشارة لحكومة أو وزراء أو ما يشبه ذلك، وعليه فإن المهمة الأساسية للسلطة هي مهمة داخلية فقط، ومن المفيد أن نتذكر أن سكان الداخل الفلسطيني هم أقل من نصف عدد الشعب الفلسطيني ومازال النصف الآخر في المهاجر ينتظر العودة، وأن منظمة التحرير هي الوحيدة صاحبة الحق بالإشراف على شؤونه.

2- ناضل الشعب الفلسطيني طوال مئة عام وتوصل قبل أكثر من أربعين عاما ـ مما توصل إليه ـ إلى تأسيس منظمة التحرير الفلسطينية، وأقر الميثاق الوطني الفلسطيني، وأقام مؤسسات المنظمة المتعددة كالمجلس الوطني والمجلس المركزي والصندوق القومي وغيرها،

وقد اعترفت دول العالم بمنظمة التحرير ومؤسساتها وأدبياتها واتفاقاتها، ورضيت بها عضواً مراقباً في الأمم المتحدة وعضواً أصيلاً بجامعة الدول العربية ومنظمة المؤتمر الإسلامي وغيرها من المنظمات الإقليمية والدولية.

ومازالت المنظمة هي المؤسسة السياسية الفلسطينية الوحيدة المعترف بها عربياً وعالمياً.. ومن جهة أخرى فإن أية حكومة لا يمكنها ـ حسب القانون والعرف الدولي ـ إلا أن تعترف بجميع الاتفاقات التي وقعتها الحكومات السابقة.

إلا أن حماس أعلنت أنها لا تريد الاعتراف الآن بمنظمة التحرير الفلسطينية ممثلاً شرعياً وحيداً للشعب الفلسطيني وطالبت بإصلاحها مسبقا وهذا من حقها لكنه لا يكفي للامتناع عن الاعتراف، كما لا يبرر التنصل من الاتفاقات التي وقعتها السلطات السابقة.

3- حسب النظام الأساسي للسلطة الفلسطينية (وهو بمثابة الدستور في الدول المستقلة) فإن أجهزة الأمن والعلاقات الخارجية والمفاوضات مع العدو الإسرائيلي هي من صلاحيات رئيس السلطة الفلسطينية، وبالتالي فهي ليست من صلاحيات السلطة (أعني ما يسمى بالوزارة أو الحكومة).

ولكن حماس في هذا الإطار ترفض الاعتراف بصلاحيات رئيس السلطة على هذا النحو وتنكر عليه أن يمارس صلاحياته في مجال تبعية الأمن له وحقه في إجراء مفاوضات محتملة، مع أنه أيضا رئيس اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، ومن الواضح أن الأمر قد يشكل أساسا لخلاف محتمل حول الصلاحيات.

تواجه حركة حماس بما هي القائدة الجديدة للسلطة الفلسطينية مصاعب عديدة أخرى، فهي تصدت لمواجهة أعباء القضية الفلسطينية بكل تعقيداتها وتراكم أحداثها، فعليها أن تحل صعوبات الوضع الداخلي وعلى رأسها محاربة الفساد وإصلاح الإدارة وحل المشاكل الاقتصادية والاجتماعية والبطالة والفقر وغيرها،

وأن تواجه جموع المستفيدين والانتهازيين فضلا عن المسلحين الذين تعودوا على استخدام سلاحهم بسبب وبلا سبب، كما عليها من جهة أخرى أن تتخطى جبلاً من الصعوبات في علاقاتها (بل وعلاقة القضية) مع إسرائيل، ومع الولايات المتحدة وأوروبا وربما مع البلدان العربية، فضلا عن الخلافات المحتملة بينها وبين الرئيس وبينها وبين منظمة التحرير حول الأحقية في المفاوضات بهدف الوصول إلى حل دائم وعادل، خاصة وأن إسرائيل ترفض الجميع،

وتستغل كل هذه الالتباسات لتبرر سياساتها العدوانية وتنفذ مشروع الحل المنفرد، وترفض أي تعاون لحل القضايا الإنسانية ناهيك عن حل الصراع الأساسي، ولا تقبل حماس من طرفها أية اتفاقيات إلا إذا كانت تخدم المصالح العليا للشعب الفلسطيني، دون أن تحدد ماهية هذه المصالح ونوعها وأبعادها ومن يقررها، وهل تطبق المصلحة المفترضة بمفعول رجعي لتطال اتفاقات وقرارات سابقة؟

إن الوضع كما يبدو أعقد مما ترى حماس، ويصعب تفكيك عُقده كما يصعب البدء بحلها دفعة واحدة، ويحتاج الأمر لتوافقات وطنية ولموقف وطني فلسطيني شامل تشارك فيه جميع الفصائل والقوى الفلسطينية الداخلية والخارجية.

إن الانتقال من الثورة إلى الدولة هو بحد ذاته يسبب مشاكل وتناقضات وصعوبات، فكيف إذا كان الحال يتعلق بالقضية الفلسطينية وهي من أكثر القضايا تعقيداً كما يتعلق بالصراع الفلسطيني الإسرائيلي وهو من أطول الصراعات العالمية زمناً وأكثرها عمقاً وخطراً.

ومهما كان الأمر فإن لحركة حماس الحق في تبني البرنامج الذي تراه مناسبا لأنها تصدت بملء اختيارها لتحمل مسؤولية تنفيذ برنامجها، ولها الحق أن تنتقد سياسات السلطة السابقة وتعتبرها في غير صالح الشعب الفلسطيني، لكن من واجبها أن ترى أكداس المشاكل والمخاطر التي تحيط بالشعب الفلسطيني وبقضيته وبمسيرة السلطة ومجريات المستقبل، وألا تستسهل المرحلة التاريخية التي تمر بها القضية، فالبرنامج النظري والموقف الاستراتيجي شيء والواقع والمواقف المرحلية شيء مختلف.

لعل الأهم هو أن تستقوي حركة حماس بشعبها وتتواصل مع جميع المنظمات والقوى الفلسطينية الأخرى في الداخل والخارج للعمل في إطار برنامج توافقي يلتف حوله الجميع، وتحقق نجاحات داخلية وخارجية وديمقراطية ينتظرها الشعب العربي، ولا شك أنها مسؤولية تاريخية يتمنى كل عربي أن تتحملها حماس بنجاح.

* كاتب سوري