ما هي المعايير المهنية في كتابة ونشر الأخبار في وسائل الإعلام العربية وأحيانا العالمية؟ قد يصدم هذا السؤال كثيرين، ويتعاملون معه باعتباره بديهية لا تحتاج رداً أو تفصيلاً. وقد يتطوع البعض باستذكار الدرس الأول في العام الأول بكليات ومعاهد الإعلام والصحافة.

هذا الدرس يقول ببساطة ان الخبر المكتمل لابد ان يجيب عن ستة أسئلة هي: من، أين، متى، ماذا، لماذا، وأخيراً كيف أو كما كانت تقال « ٌّ فَل وٌُّ 5». بالطبع هناك أخبار كثيرة لا تجيب عن هذه الأسئلة الستة كي يصبح الخبر مكتملاً ونموذجياً، وما يفرق خبراً صحافياً عن آخر هو قدرته على الإجابة عن أكبر عدد من هذه الأسئلة وتوثيقه، ما يجعله صحيحاً ويستحيل نفيه وتكذيبه.

لكن لماذا العودة إلى البديهيات والمفترض انها حاضرة في ذهن الجميع؟ السبب ببساطة أن ما يحدث في منطقتنا العربية وإعلامنا العربي خصوصا الذي يتعامل مع تغطية الاحتلال الأميركي للعراق، يجعل شعر الطفل يشيب.

بالطبع هناك خرافة كبرى اسمها الموضوعية الكاملة في الإعلام.. هذا غير صحيح مطلقاً، فلكل وسيلة إعلامية سياستها التحريرية التي تجعلها لا تنشر أو تبث خبراً حتى لو كانت متأكدة (مليار في المئة) أنه صحيح،

لأنه ببساطة يتناقض وسياستها ومصالحها أو سياسة الجهة التي تمولها أو تملكها، وبالتالي صار المتعارف عليه لتحديد مدى مهنية وسيلة إعلامية عن أخرى هو مدى اقترابها من الحد الأدنى للموضوعية، وليس التطبيق الصارم لهذه الموضوعية.

سيقول قائل ان هناك صحفاً أوروبية وأميركية موضوعية مئة في المئة ونرد عليه قائلين ارجعوا إلى تغطية هذه الصحف لفترة ما قبل الغزو الأميركي للعراق، وانظروا كيف تعاملت هذه الصحف ومنها «الواشنطن بوست»

و«النيويورك تايمز» مع الأمر، وكيف كانت تعلم بخرافة أسلحة الدمار الشامل في العراق، و«صهينت» على الأمر، ثم تأملوا كيف أن معظم الصحف والفضائيات الأميركية لاتبرز أخبار الخسائر الأميركية في العراق أو صور نعوش القتلى.

إذا كانت الصحف الأميركية لديها بعض العذر في عدم التزام المهنية باعتبار أنها في الأخير تعبر عن وجهة نظر مالكيها، وبالتالي عن المصلحة الأميركية، فما هو عذر وسائل إعلامنا العربية.مناسبة هذا السؤال هو ما يحدث منذ غزو العراق، لكن أصبح واضحاً وفجاً هذه الأيام.

قبل أيام عدة فجرت «التايم» الأميركية فضيحة جديدة لقوات الاحتلال الأميركية حينما كشفت أن بعضا منها وخلال اجتياحها لقرية «حديثة» العراقية قتل زميل لهم، فأصيبوا بحالة من الهياج، واقتحموا منزلاً، وقتلوا كل من فيه وعددهم 15 شخصاً والصغار والسيدات والأطفال الرضع.

هذا ماعرفناه الآن، لكن إذا كان أحدكم يتذكر ما قرأناه حينما وقعت الواقعة في نوفمبر من العام الماضي فسوف يكتشف ان البيان العسكري الأميركي وقتها أخبرنا أن ما حدث هو انفجار قنبلة أدى لمقتل الأسرة البريئة.

ليست هذه الحادثة هي مربط الفرس، فالدلالة هي أن كل الضحايا العراقيين الأبرياء سقطوا بالطريقة نفسها، ولا يوجد ما يخبرنا بالحقيقة لحظة وقوعها، بل علينا الانتظار حتى تأتي صحيفة أو مجلة غربية في لحظة «استيقاظ ضمير» كي تكشف الحقيقة.

أما المأساة فهي أن وسائل الإعلام العربية تتعامل مع بيانات الاحتلال الأميركي باعتبارها حقائق مقدسة يستحيل أن يأتيها الباطل من بين يديها أو من خلفها. لا ترسل مندوباً ليتابع لا تمحص القصة ولا تستوثق منها قبل نشرها.

في المقابل وعندما تنفذ المقاومة العراقية عملية جريئة أو عادية ضد قوات الاحتلال، وتصورها صوتاً وصورة وتاريخا، أي توثيقها «كما جاء في كتاب الصحافة» فإن وسائل الإعلام التي تجرؤ أساساً على نشر أو بث الخبر، ترفقه بلازمة صارت مثيرة للغثيان تقول «هذا ولم يتم التأكد من صحة التسجيل من طرف مستقل»؟!

سبحان الله إذا أعدم الجيش الأميركي 15 عراقيا بدم بارد، وقال انه انفجار قنبلة عرضي، ننشر ونبث الخبر باعتباره يقينا، واذا نفذت المقاومة عملية وقدمت لوسائل الإعلام تسجيلاً مصوراً، فهذا ليس مؤكداً ويحتاج إلى مصدر مستقل ليؤكده!

هناك عشرات المواقع على شبكة الانترنت وبعض وسائل الإعلام المغمورة تقدم الوجه الآخر لما يحدث في العراق.. الوجه الأقرب ربما إلى الحقيقة، لكن لا أحد يتعامل معها.

لا نطالب وسائل إعلامنا الرسمية باعتماد هذه الوسائل أو المواقع باعتبارها صادقة مئة في المئة، ولكن على الأقل عليها أيضا أن تتعامل مع ما يقوله الاحتلال بحذر، وألا تنشر كل ما يقوله باعتباره الحقيقة المطلقة وسواها الباطل.

قد يقول قائل ان كثيراً من وسائل الإعلام العربية الرسمية معذورة فهي تنفذ ما يطلب منها، لكن الكارثة أن هذا المنهج قد يقودنا قريبا إلى التعامل مع ايهود أولمرت باعتباره البريء والطيب، ووصف إسماعيل هنية ورفاقه أو أي فلسطيني لا ترضى عنه واشنطن أو تل أبيب باعتباره إرهابياً.

emadiraqi@yahoo.com