في زمن الإمبراطورية العثمانية كانوا يدللون على اتساع الأرجاء التي يحكمها العاهل التركي فيقولون: «لو عطس السلطان العثماني في اسطنبول.. لوجد من يجيبه قائلا: يرحم الله البادشاه في أقطار تمتد من غرب آسيا وحتى وسط أوروبا».

أما في زمن العولمة الراهن.. فيمكن أن يقال: لو أبرم الرئيس الروسي بوتين اتفاقا بشأن إمدادات الغاز أو مشروع نفط سيبيريا في بكين.. لساور القلق أوساط بحوث الطاقة في أميركا وأمعنت في مضمار الدرس والإحصاء والتحليل.

الصين بالذات تشكل مصدر قلق.. «وجع دماغ» كما يقول التعبير الدارج، لا بالنسبة للسياسة في أميركا والغرب وحسب، بل بالنسبة لتلك الدوائر التي ألمحنا إليها.. من المسئولين والمعنيين بشئون الطاقة ومستقبلها.. ولاسيما البترول.. وأسعاره واحتياطياته وتطوراته في مستقبل الأيام. لماذا الصين؟

.. لأنها أولا داخلة في غمار خطط إنمائية غاية في الطموح.. وثانيا، لأن هذه الخطط سوف تحتاج بداهة إلى كميات ضخمة - هل نقول مهولة من الطاقة وفي مقدمتها طاقة البترول والغاز الطبيعي.. وثالثا، لأن البترول بالذات سلعة إستراتيجية بمعنى أن عمليات إنتاجه وتسعيره.. يمتزج فيها الاقتصاد بالسياسة.. وتتداخل فيها عوامل الداخل المحلي مع عوامل الخارج الدولي..

لهذا فعندما يتكلم المسئول أو الخبير الأكاديمي عن أزمات البترول فهو إنما يتكلم، لا عن سوق محلية تكفي خيرها شرها، بل يتناول بالذات مستقبل سلعة تهم العالم كله.. فما بالك إذا كانت تهمنا نحن أبناء هذه المنطقة العربية التي ما برحت شعوبها تتطلع إلى استكمال مسيرة التنمية والبناء؟

في ضوء هذا كله يلفت اهتمامنا الشديد الدراسة الموجزة التي تصدرت أحدث الأعداد الصادرة عن فصلية «ذي ناشونال انترست» الأميركية (عدد الشتاء 2005-2006) وبالذات لأن كاتب الدراسة هو «جيمس شلزنجر» وله تاريخه المميز في السياسة الأميركية الراهنة.. لا بوصفه وزيرا سابقا للدفاع ولا مديرا للمخابرات الأميركية وحسب بل لأنه كان أول وزير للطاقة في الحكومة الأميركية..

ولعل أهم ما في الدراسة هي أن صاحبها يدعو أولا إلى إتباع منظور مستقبلي يطل المعنيون من خلاله على واقع وآفاق صناعة النفط والغاز وهي دعوة يؤكد فيها صاحبها أهمية التفكير والواقعي الجاد الذي لا يقوم على شعارات بلاغية أو على تفاؤلات غير محسوبة فيما يستبعد كذلك أسلوب التهديد بخطر الويل الوشيك أو الثبور المحدق على الأبواب.

يلفت النظر أيضا في دراسة «شلزنجر» ما توضحه من خطورة الموقف العالمي الراهن في مجال النفط.. لقد تقلصت أو انكمشت إنتاجية الأوبك في ربع القرن الأخير (من 38 بليون برميل يوميا إلى 31 بليون برميل يوميا). وإن كانت دوائر هذه الصناعة النفطية بريئة من دم هذا الانكماش كما قد نقول..

فالأسباب تتصل بالصراعات وأحيانا الأطماع وربما الأهواء السياسية.. وقد تمثلت - كما تقول الدراسة الأميركية - في قرارات فرض العقوبات (بوحي من واشنطن كما هو معروف) على كل من إيران وليبيا ثم العراق.

في هذا الصدد يقول الأستاذ شلزنجز: رغم أن العارفين بهذه المجالات كانوا على بيّنة من أمر هذا الانكماش في القدرة الإنتاجية، إلا أن التفكير كان سائدا بأن هذه القدرة كانت كافية.. إلى أن شهد العالم تلك الموجة التي تصاعدت مؤخرا في الطلب على المورد النفطي وخاصة في كل من الصين وأميركا ومن ثم بدأت كل الأطراف تشعر بوطأة الانكماش من ناحية وبما يترتب عليه من ارتفاع الأسعار من ناحية أخرى..

ولقد نضيف على ما ذهب إليه المسئول الأميركي أيضا أن هذه الأزمة النفطية زاد من وطأتها كذلك عقابيل موسم الأعاصير التي أصابت جنوب شرقي الولايات المتحدة في الأشهر الماضية وبالذات مناطق المصافي ومواقع التكرير، ومن قبلها أعاصير التسونامي التي ألمت بدولة نفطية منتجة هي إندونيسيا.

في مجال الإحصاءات تطالعنا الدراسة أيضا بما تحسبه التقديرات الحالية لما يملكه العالم - أو تستند إليه البشرية في تطورها وطموحاتها الحالية من احتياطات.. تقول الدراسة: إن هذه الاحتياطات تبلغ مبدئيا نحو ثلاثة تريليون برميل وإننا كبشر قد استهلكنا بالفعل أكثر من تريليون برميل منها (ثلث الكمية في 100 سنة أو يزيد قليلا هي عمر القرن العشرين وحتى الآن)

ذلك لأن البشرية تستهلك كميات بمعدل 30 بليون برميل سنويا وإذا ما قبلنا توقعات وزارة الطاقة في واشنطون لكشفت هذه التوقعات عن أن العالم سوف يستهلك 40 بليون برميل سنويا في غضون 20 سنة وربما أقل أي في عام 2025.

لهذا يدعو جيمس شلزنجر إلى ما يصفه بأنه «يوم الحساب» (النفطي كما قد نسميه) بمعنى رصد التطورات الحاصلة والمتوقعة، بغير عصبية أو تهويل.. وأيضا بغير استسلام للرضا الموهوم عن النفس..

ومثل هذا المنظور الجديد يفضي بنا إلى تصور أزمة جديدة لا بد أن تحسب البشرية حسابها ولن تكون في رأي الوزير الأميركي السابق (هو الآن كبير مستشاري مجله ذي ناشونال انترست) مجرد أزمة في الطاقة ولكنها كما يصفها «أزمة في السوائل».

والمعنى أن نقص الطاقة البترولية السائلة لن يعوضه مثلا تطوير أشكال الطاقة الأخرى وفي مقدمتها الطاقة النووية.. والمعنى أيضا أن لا يستسلم العالم إلى مقولة أن مفتاح الحل السحري سيكون في هذه الطاقة النووية أو طاقة الفحم وما في حكمها.. سيظل العالم بحاجة إلى طاقة الوقود السائل اللازم بداهة لوسائل وسبل النقل في البر والبحر وفي أجواز الفضاء.

ومن ثم سيظل العالم بحاجة إلى أفكار وبحوث وتصورات مبتكرة لتطوير أشكال جديدة للطاقة، لا للاستغناء عن البترول ولكن لكي تكفل ترشيدا يؤدي إلى توفير في استخدام البترول الذي ما زال بكل تأكيد.. أوفر وأرخص وأيسر موارد الطاقة اللازمة لحضارة الإنسان.

على الجانب الآخر هذه الصورة التحذيرية، تحرص الدراسة التي نحيل إليها على أن تورد آراء مخالفة تتعلق باحتياطيات البترول في العالم وهي أراء العلماء السوفييت الذين قالوا «بأن البترول كالفحم كلاهما يمثل معدنا أو مادة يتواصل إنتاجها باستمرار في أغوار باطن الأرض وأن هذه المادة تخرج إلى سطح القشرة الأرضية عندما تجد أمامها طريقا يسمح بذلك. تلك آراء متفائلة بطبيعة الحال ولكن يلفت النظر أن وزارة الطاقة الروسية شخصيا ما زالت تتجاهلها..

وفي كل حال.. فالحرص واجب كما تفيد تحذيرات جيمس شلزنجر.. وإلا واجهت البشرية نفس مصير أهل بومبي، المدينة المتاخمة لبركان فيزوف في إيطاليا كانت سحابات البركان تملأ شوارعهم فلم يتأهبوا لها.. وظلوا في لهو وفي شغل من الأمر إلى أن ثار البركان وانفجرت الحمم وانطوت بومبي وأهلوها تحت عشرة أقدام من الغبار والركام.

كاتب مصري