عُقدت القمة العربية الثامنة عشرة، في الثامن والعشرين، من مارس الجاري، في الخرطوم، بغياب تسعة من الزعماء العرب، وفي ظل مزيد من الأوضاع المعقدة والمتردية، التي يشهدها العالم العربي، وفي ظل أزمات مزمنة، وأخرى في طريقها لأن تصبح كذلك. فهنالك الكثير من القضايا التي استجدت في الساحة العربية، منذ قمة الجزائر الأخيرة.
لم تتمكن القمم العربية العديدة، التي عقدت، منذ القمة الأولى، في يناير من عام 1964، من صياغة نظام عربي، يجعل قراراتها وتوصياتها قابلة للتنفيذ، فقد عجزت عن صنع رابطة حقيقية بين الشعوب العربية، بل خلقت روابط هشة بين الحكومات، أسهمت بشكل لا واعي في المزيد من التدهور.
فقد جهلت هذه القمم، أو تجاهلت، بأن الروابط الحقيقية بين الشعوب، لا تتمحور إلا حول المصالح الاقتصادية، التي تقرب البعيدين عن بعضهم، فما بالك بذوي القربى. كما أهملت تماماً، واقع الإنسان العربي، المهمش في بلده،
وذلك بإهمالها وضع استراتيجية لانفتاح الحكومات العربية على شعوبها، من خلال زيادة سقف الحريات. كما أن هذه القمم لم تناقش، أوضاع حقوق الإنسان في العالم العربي، ولا تطرقت إلى الإصلاحات الديمقراطية فيه.
وكبقية المؤتمرات السابقة، تعرضت القمة الحالية، لضغوطات أميركية شديدة، لعقدها في مكان آخر، غير الخرطوم، وكذلك للخروج بتوصيات يمكن للإدارة الأميركية، توظيفها للضغط على إيران، فيما يتعلق بدورها في العراق وما يتعلق بخطورة برنامجها النووي على المنطقة، من جهة، ولدعم مشروعها في الشرق الأوسط، من جهة أخرى.
لقد باتت ألوان القمم العربية، باهتة منذ زمن طويل، فهي تضع في جدول أعمالها قضايا كثيرة وكبيرة، وهي في الحقيقة، غير قادرة، على حل واحدة منها فقط، لأنها لا تمتلك مفاتيح الحل. ولم يكن البيان الختامي لهذه القمة غير متوقع، فهو تكرار للمواقف التقليدية للقمم السابقة.
هنالك قضايا خطيرة تواجه العالم العربي، من أبرزها:
1- تفاقم الأزمة السياسية في العراق، وتدهور أوضاعه الأمنية إلى درجة تنذر بأشد العواقب خطورة على مستقبله، ومستقبل المنطقة برمتها.
2- تداعيات ما يمكن تسميته، بالحرب الباردة، التي تخوضها إيران، مع الولايات المتحدة، في الشرق الأوسط، والتي تعكس، تعاظم الدور الذي باتت إيران تلعبه في هذه المنطقة، من خلال قيامها بتفعيل الخطاب الخميني، في تصدير الثورة الإسلامية، إلى دول الجوار، إضافة إلى طموحاتها العسكرية المتعاظمة، خاصة في مجال التكنولوجيا النووية.
3- تزايد الضغوطات، التي تسلطها الولايات المتحدة، على الدول العربية، من أجل القيام بإجراء الإصلاحات الديمقراطية.
4- تَردٍ على مستوى العلاقات العربية ـ العربية، إثر إجبار سوريا على الانسحاب من لبنان، وتداعيات اغتيال الحريري على العلاقات السورية اللبنانية، وعلى الأمن الوطني لسوريا.
5- تدويل قضية دارفور، الإقليم السوداني الغني بالموارد الطبيعية والنفط، عن طريق إرسال قوات دولية، لتحل بدل القوات الافريقية.
6- بوادر تغير في السياسة الأميركية نحو طهران، على حساب المصالح العراقية والعربية.
7- تراجع حل القضية الفلسطينية، بسبب سلبية المواقف الغربية، وبالأخص موقف الولايات المتحدة، من صعود منظمة حماس، في الانتخابات الفلسطينية.
8- ترسيم إسرائيل لحدودها من طرف واحد، دون إعارة أدنى اعتبار، لحقوق الشعب الفلسطيني، وللرأي العام الدولي.
إن معظم قرارات وتوصيات القمم العربية، لا ترقى إلى مستوى معالجة هذه القضايا الخطيرة، سيما وأن النظام العربي يفتقر إلى الوضوح، في رؤية الواقع السياسي العالمي، الذي تجاوز بكثير، الطروحات التي لا تزال المؤسسات الرسمية العربية، متمسكة بها، كأنها العروة الوثقى. وتفتقر كذلك، الى الوضوح، في تشخيص أسباب هذه التداعيات، فإلقاء تبعات كل هذه الأزمات، على الغير، ليس صحيحاً.
ورغم أن جميع هذه القضايا مهمة وحساسة، إلا أن المسألة العراقية، تبدو بنظر الجميع الأكثر خطورة، على مستقبل العالم العربي، لذلك كانت تتطلب من القمة اتخاذ مواقف، غير تلك التي شهدناها منذ احتلال العراق قبل ثلاث سنوات.
فالعراق في توجهه الحالي، سواء بإرادة أبنائه أم بإرادة أميركية، يسير في اتجاه جديد، بعيداً عن النظام التقليدي العربي، باتجاه تعزيز الهوية العراقية، التي يجتمع حولها، مختلف مكوناته العرقية والمذهبية.
وإن على الدول العربية أن تعالج هذه القضية بحكمة، تعيد بعض الثقة لقطاع كبير من الشعب العراقي، يشعر بتحيز هذه الدول إلى فئة من العراقيين دون أخرى، ويرغب في رؤية موقف جديد، على أرض الواقع، يقنعه بأن الدول العربية، تقف على مسافات متساوية، من جميع الفرقاء، في الساحة السياسية العراقية.
لقد عملت معظم الدول العربية، منذ احتلال العراق، على تهميش دورها بنفسها، إزاء المسألة العراقية، ولعبت دوراَ سلبياً، من منطلق أن العراق بلداً محتلاً، ولا يمكن التعامل مع حكومة في ظل احتلال أجنبي، متناسية أنها بهذا الموقف السلبي، قد تركت الباب مفتوحاً، لدول أخرى، أن تلعب منفردة في الساحة العراقية.
ومتناسية كذلك، بأن لا شيء يغير من المعادلة الجديدة، التي فرضها الاحتلال، كأمر واقع في العرف الدولي، سوى مواقف إيجابية، تدعم جهود الشعب العراقي، في إعادة بناء دولته.
كاتب عراقي
majamal@emirates.net.ae