عندما فكرت هيلاري رودهام كلينتون، زوجة الرئيس الأميركي السابق بيل كلينتون في أن تكتب عن حياتها ومذكراتها، اختارت لكتابها عنوان «تاريخ عشته»، واختارت أن تكتب في بدايته هذا الإهداء «إلى والدي وزوجي وابنتي، وإلى كل النفوس الطيبة في العالم». هيلاري اليوم تحمل صفة سيناتور،

ولقب سيدة أولى سابقة، ومحامية قديرة، وامرأة لديها طموح واسع لدخول سباق الرئاسة المحموم نحو البيت الأبيض مجدداً، لا كزوجة لرئيس ولكن كرئيس للولايات المتحدة،

بعد أن قضت في البيت الأبيض ثماني سنوات مليئة بالأحداث وبالأيام الحافلة بالإنجازات وأيضاً بالإحباط والحزن، هي المرأة التي حطم كبرياءها رجل كان زوجها وكان رئيساً للولايات المتحدة اسمه بيل كلينتون.

«تاريخ عشته» كتاب مذكرات نشر عام 2003، وهو عمل ضخم جداً، ومليء بالأحداث، أحداث تقصها امرأة كانت سيدة أميركا الأولى وزوجة الرئيس الأشهر ربما في أميركا في السنوات الماضية،

لكنني وأنا أتصفح الكتاب وقفت عند حكايتين، أظن أن كل قارئ للكتاب سيتوقف أمامهما، كعلامتين مضيئتين، خاصة لأولئك الذين يؤمنون بأن البشرية لا تكتب تاريخها بالتسلط والعنف والجبروت بقدر ما تكتبه بإنسانيتها ومركب الأخلاق والمثل العليا الكامنة فيها.

ففي فبراير من العام 1990، خرج نلسون مانديلا من السجن بعد سبعة وعشرين عاماً قضاها محكوماً بتهمة نضاله ضد جبروت نظام جنوب إفريقيا العنصري، وبعد أن فاز في الانتخابات العابرة للحدود العنصرية الأولى في البلاد، حمل شرف كونه المناضل الكبير الذي سيكون الرئيس الأسود الأول لبلاده وهي تدخل عصر الجمهورية الديمقراطية،

وهنا ذهب العالم لحضور حفل تنصيبه رئيساً، بعد أن سكت على حكم سجنه 27 سنة، وكانت أميركا حاضرة، وكانت زوجة الرئيس الأميركي هيلاري كلينتون على رأس الوفد. ووقف مانديلا يخاطب ضيوفه بطريقة جمعت بين البطء والمهابة، وبروح مازجت بين فن الحديث بشكل رسمي ومليء بالحيوية والمرح في الوقت نفسه،

وفي الوقت الذي كانت هيلاري تتنفس الصعداء في جنوب إفريقيا إثر استراحتها من سلسلة خصومات وهجمات دنيئة بسبب فضيحة «وايت ووتر» الشهيرة، فقد كان مانديلا مسروراً بضيوفه جميعهم، لكنه اختار ثلاثة منهم طالباً منهم الوقوف بعد أن حياهم وسماهم وطلب من الجمهور التعرف عليهم وتحيتهم، كان الثلاثة هم سجانيه السابقين من جزيرة روبن ممن عاملوه باحترام أثناء سجنه!

أما العلامة الثانية فتختارها هيلاري من صديقة عزيزة لها اسمها الدكتورة إستل رامي، التي لخصت حياتها المميزة قائلة: «لقد أحببت، وكنت محبوبة، كل ما عدا ذلك ان هو إلا موسيقى تصويرية في خلفية الصورة» مع أن كل ما عدا ذلك

هو كل حياتنا التي نعيش تفاصيلها بأعلى قدر من التعب والبذل وهي التفاصيل التي نواجه بها ومن خلالها كل ما يمر بنا من قسوة وسعادة ونضال وانتقاد، «كل ما عدا ذلك» هو ثمن الحياة التي نعيشها في نهاية المطاف،

لكن هذه الصديقة أرادت أن تقول لهيلاري ولنا، ما أراد مانديلا أن يقوله إن سنوات العمر الطويلة تمنحنا الوقت والدافع لنغوص عميقاً في قلوبنا، لنعالج الألم بحكمة حين نجده هناك في العمق، وبأن العرفان والغفران اللذين يخرجان أكثر الأحيان من رحم الألم والمعاناة يتطلبان قدراً كبيراً من الانضباط.

sultan@dmi.gov.ae