عند الحديث عن أمر له جانبان، شكلي ومضموني، لا يختلف اثنان على أهمية الجانبين معاً. ولكن إن كان السياق سياقَ مفاضلة، فإن العقل يميل إلى تفضيل الجانب المضموني على الجانب الشكلي، أو بعبارة أخرى، تغليب الجوهر على المظهر، مع تأكيد أن الجانبين متكاملان، ويصعب فصل أحدهما عن الآخر دون خلل.
ولعلّ ما يحدث من فصل بين هذين الجانبين، وما يترتب على هذا الفصل من ميل كلي أو شبه كلي لأحدهما على حساب الآخر، دون اهتمام بدوره الأساسي، وليس التكميلي، في النظر إلى موضوع يُعدّ مؤشراً على وجود خلل في طريقة التفكير أو طريقة التنفيذ، أو وجود ثغرة ما يجب أن يتم الالتفات إليها ومعالجتها.
والأمثلة على الميل لأحد الجانبين ميلاً كلياً على حساب الجانب الآخر كثيرة، ويمكن التوقف أولاً، على سبيل المثال،عند الفرد، سواء أكان رجلاً أم امرأة، الذي يهتم كثيراً بمظهره ومستوى أناقته، ويُعنى بطريقة تصفيف شعره، وبكل تفاصيل شكله الخارجي، دون أن يهتم بتشذيب الطباع، وتقويم الأخلاق، أو بتثقيف النفس.
وتنمية المهارات والطاقات التي يمتلكها، أو باكتساب مهارات ذهنية جديدة، فهذا الشخص يكون كالغلام حسن المحيّا الذي رآه حكيمٌ فأعجبه شكله، واستنطقه ليرى ما عنده من علم فلم يجدْ لديه شيئًا، فقال: نعم الدار لو كان بها ساكن.
ويمكن أن نضرب مثالاً عكسياً، وهو الشخص حادّ الذكاء، المتفوق جداً في دراسته وفي عمله، ويمكنه إنجاز كل ما يُكلّف به من أعمال في أزمان قياسية دون كلَل أو ملَل، وهو حريص كل الحرص على تطوير نفسه.
ومتابعة آخر المستجدات في تخصصه، وقراءة كل ما تقع عليه عيناه بنهم شديد، ولكنه لا يولي شكله الخارجي كبير عناية، ويكتفي بالتركيز على جوهر شخصيته أكثر من التركيز على مظهرها.
إن المثال الأول يكشف خللاً بيّناً في الشخصية، يتمثل في التركيز على الشكل والمظهر الخارجي وإهمال المضمون أو جوهر الشخصية الإنسانية.
وكذلك المثال الثاني، يدلّ على وجود خلل واضح في الشخصية، يتمثل في التركيز على الجوهر وإغفال المظهر، دون وعي وإدراك، في الحالتين، بأن كلا الجانبين أساسي في الشخصية السوية.
ويجب الاهتمام بهما معاً كوحدة واحدة لا تتجزأ، حتى إن كان الاهتمام الحقيقي منصبّاً على جانب منهما فيجب ألاّ يكون ذلك على حساب الجانب الآخر، بل يجب على الإنسان السوي أن يحقق قدراً من الموازنة في درجة اهتمامه بهذين الجانبين.
ومن الممكن أن نجد أمثلة واقعية على نموذج الشخصية المهتمة بنفسها جوهراً ومظهراً، دون أن يزيد اهتمامها بأحدهما على اهتمامها بالآخر، حتى إن كانت في قرارة نفسها أكثر ميلاً لجانب منهما، إلا أنها استطاعت تحقيق المعادلة التي لا يبدو تحقيقها صعباً جداً.
وإذا انتقلنا إلى فضاء أكثر عمومية، وأفق أكثر رحابة متناولين الموضوع ذاته، وخرجنا به من نطاق الأفراد إلى نطاق المؤسسات، يمكن أن نتوقف عند مثاليْن متضادّين، يكشفان واقع بعض مؤسساتنا الحكومية وشبه الحكومية.
يتجلى المثال الأول من خلال اهتمام بعض مؤسساتنا بالجانب الشكلي على حساب المضمون، فنجد عناية بالغة جدا بتصميم المبنى، وبأثاثه، وبالحديقة المحيطة به، وبرائحة العود والبخور.
وبكل التفاصيل الشكلية، ولكن إذا فتّشنا فيما وراء هذا المظهر البراق سنجد ما لا يسر؛ فمستوى أداء الموظفين أقل من المتوسط، وطريقة تعاملهم مع المراجعين تفتقر إلى الكثير من الأساسيات كالذوق والاحترام والقدرة على التواصل الصحيح مع الآخر وغير ذلك، وكأن انشغال إداراتهم بالشكل استغرق كل وقتهم وطاقاتهم فلم يجدوا متسعاً منه للاهتمام بأداء الموظفين وسلوكياتهم.
وفي المقابل، نجد المثال الثاني على نقيض الأول، فالاهتمام الأول والأخير بالجوهر، أي بالأداء، والسلوك، وبالنتائج التي يخرج بها المراجع، ولكن جانب الشكل مغيب أو شبه مغيب.
مما لا شك فيه أن لدينا الكثير من المؤسسات التي استطاعت تحقيق المعادلة على نحو سليم، وذلك بالموازنة في الاهتمام بين الجوهر والمظهر، إلا أن المؤسسات الموجودة في الدولة والتي يمكن أن تصنَّف ضمن أحد المثالين السابقين كثيرة أيضاً، وتحتاج إلى توجيهها لكي تمسك العصا من وسطها.
إن هذين المثالين يعكسان التفاوت في تقدير أهمية كل من الجوهر والمظهر لدى بعض المسؤولين في مؤسساتنا، ويمكن أن يبرر أصحاب المثال الأول اهتمامهم بالشكل بأنه واجهة المؤسسة أمام الآخرين.
وهو الذي يعطي الانطباع الأول لدى الزائر، ثم يأتي دور الجوهر أو المضمون، والذي يتحقق -في تقديرهم- ببساطة، أو أن ما هو متحقق وموجود يعدّ كافياً، في تقديرهم أيضاً.
كما من الممكن أن يعلل أصحاب المثال الثاني اهتمامهم بالجوهر دون المظهر بأن المراجع يهتم كثيراً بسرعة إنهاء الموظف لمعاملته، وبتجنيبه الروتين قدر الإمكان، وبحسن المعاملة من قبل الموظفين والمسؤولين في المؤسسة أو الدائرة التي يراجع فيها، ولا يهتم إطلاقًا بعمر المبنى الذي تقع فيه هذه المؤسسة.
ولا بشكل المكاتب التي يجلس خلفها الموظفون، ولا بما يقع خارج المبنى ذاته من أشجار شبه ميتة، وأوراق وأكياس ملقاة في كل زاوية، ولا بأي شيء آخر لا علاقة له بمعاملته.
ومن الواضح أن التفكيرين يعكسان خللاً في فهم ثنائية الجوهر والمظهر؛ فلا يمكن الاهتمام بالجوهر وإهمال المظهر على أساس أن العمل بحد ذاته أو كفاءة الموظفين، أو جودة الأداء سيكون كافياً لأنه محطّ اهتمام المراجع.
كما لا يمكن الاهتمام بالمظهر فقط على أساس أنه يعطي الانطباع الأول، دون اهتمام بما قد يتشكل بعد الانطباع الأول، والذي قد يتبدد ويحلّ محله إحساس عميق بمفارقة مريرة بين تطور في الشكل لم يستطع تطور المضمون مجاراته فيه.
جامعة الإمارات