ربما تكون مشكلة القمم العربية التي ظلت تعقد بصورة أو بأخرى على مدى أكثر من أربعة عقود هي أسلوب التواكل.. الفكري أو السياسي الذي ما برح يشوب العقلية السياسية العربية بمعنى أن الشعوب العربية ابتداء من المواطن العادي وحتى النُخب المهتمة بالشأن العام ما زالت تنظر إلى الحاكم على أنه حلاّل كل العقد..
والقادر على اجتراح المعجزات.. «صانع المطر» كما يقال في التراث الغربي.. ومن ثم كانت النظرة إلى اجتماعات الحكام على أنها اللحظة الفارقة.. المرتجاة لكي تتغير من بعدها أحوال شعوبنا وتستقيم بقراراتها أمورنا..
هي النظرة اللاواقعية نفسها التي أفضت بنا - وبالذات أجيال الشباب العربي - إلى حالة من الإحباط، بالأدق خيبة الأمل إزاء الفارق الشاسع بين الأمل والواقع.
وهو يرادف بالضبط الفارق بين بورصة التوقع ومعطيات الواقع. لأن النظرة إلى القمة.. ملابساتها ومن ثم نتائجها ما زالت خاضعة عندنا لعقلية المراهنات على النجاح والفعل والإنجاز لماذا؟
أولا، لأن المجتمع العربي ما زال يفتقر إلى التربية السياسية اللازمة لكي يمارس فن التعامل مع القضايا من منظور حساب القدرة الواقعية والإمكانات الموضوعية.. وهو منظور العمل وليس منظور الأمل..
ثانيا: انه حان الأوان لنزع هالات التمجيد إلى حد التهليل والتكريس عن مفهوم القيادة في قاموس السياسة العربية - فالقائد في التحليل الأول «إنسان» وهو في التحليل الأخير لا يجّسد كيانا فرديا بقدر أنه يقود كيانا مؤسسيا يعمل وفق قوانين حركة الدولة الحديثة التي توجه دفتها وتجدد مسارها آليات مؤسسية أيضا تضم خبراء فنيين وممثلين منتخبين.
بغير ذلك تظل القمم مجرد مناسبات موسمية لإنتاج معجزات لا تتحقق، فيما تسود النظرة إلى اجتماعات حكامنا - هذا إذا اكتمل عقدهم - بأنها مجرد مناسبات بروتوكولية - ترفع شعارات ذات بريق أخاذ.
ولكنها تفتقر إلى القدرة على تحويل الشعار إلى مبدأ ومن ثم إلى خطط وبرامج قابلة للتنفيذ، وباعتبار أن هذه القدرة الموضوعية إنما تتوافر وتتكامل مع سيادة قيم الديمقراطية والعدل واحترام حقوق الإنسان.
ولما كانت الجامعة العربية هي جبهة التعامل المتقدمة مع وقائع القمم ونتائجها.. يظل من واجبنا التأكيد على مواصلة إصلاح آلية الجامعة واستخلاص دورها ورسالتها من براثن ما تعانيه حاليا من تفكك تنظيمي وترهل بيروقراطي في الأداء.
ولا حل سوى بإخضاع الجامعة للمساءلة الموضوعية أمام المؤسسة الجنينية التي تحمل اسم البرلمان العربي.. وتلك مسألة كفيلة بتسليط الأضواء على أداء الجامعة وسلوك مسؤوليها والتعامل مع أدائها وأدائهم لا بمنطق التشهير أو التربص ولكن بمنطق المتابعة والنقد والتقويم.
يرتبط هذا أيضا بضرورة التأكيد على ديمقراطية القرار بالنسبة لفعاليات الجامعة العربية وفي مقدمتها اجتماعات وقرارات القمة فلم تعد مقتضيات العصر تتفق مع اشتراط الإجماع في صدور القرارات وإلا أصيبت الآلية بشلل التنفيذ.
والحل بداهة هو تطبيق مبدأ التوافق بين الآراء - بمعنى إتباع رأي الأغلبية مع التزام واضح وقاطع وحاسم من جانب الأقلية بكل ما يصدر من قرارات.
في ضوء ما سبق، ومع كل التقدير لما يبذل من جهود على مستقبل الجامعة وأمانتها العامة، إلا أننا لا نتوقع من قمة الخرطوم سوى الدوران في نفس دوامة القرارات الطموحة التي قد يهلل لها مذيعو نشرات الأخبار ولكنها ستظل في حيز النوايا.. صادقة.. نعم.. ولكنها قاصرة عن الفعل..
وعاجزة للأسف عن التحول إلى التنفيذ. لقد صار العالم أكثر تعقيدا بكثير حتى عن ظروف قمة الخرطوم الأولى رغم انعقادها في ظل انكسار يونيو 1967. ولا ننسى كيف استطاع عرب الخرطوم الأولى أن يتآزروا ويرتفعوا فوق خلافاتهم ويسترجعوا إرادتهم وسط الدمار والحطام لكي يجسدوا معنى التضامن والتكامل العربي ماديا وسياسيا ومعنويا بل وعسكريا..
وهكذا تواصلت خطاهم حتى تحقيق إنجاز عسكري مرموق في حرب أكتوبر 1973 خاصة في ضوء التلويح الجاد باستخدام النفط كورقة ضغط في أتون المواجهة، ويومها أخذهم العالم على محمل الجد وترددت في أدبيات السياسة الدولية، مع منتصف السبعينات مقولة: العرب قوة سادسة في العالم.
قارن بين هذه المقولة وبين أحدث ما سجله للأسف كاتب سياسي أميركي هو ديفيد بروكس في نيويورك تايمز (6/3/2006) حين كتب يقول بالحرف: سيظل العالم العربي أسيراً لدوامة عنف متخلفة عن أيام القرون الوسطى بعيدا عن الأخذ بأسباب الحداثة.. وقصارى ما نستطيع أن نقوله (يقصد الغرب) هو أن نعزل العرب داخل أسوار بحيث لا يلحقون بنا ضررا أو أذى من جديد.
كاتب مصري
