اتفق القادة العرب في مؤتمرهم الثالث والعشرين الذي عقد في القاهرة عام 2000 أن تكون قمتهم سنوية ودورية وأشاروا في مداولاتهم أن قرارهم هذا سيكون مدخلاً لإصلاح النظام العربي وإقرار نظام عربي جديد قادر على استيعاب ظروف وشروط التطور العالمي المتسارع بعد انتهاء الحرب الباردة وسقوط دول المنظومة الاشتراكية.

وانتشار سياسة العولمة ومواجهة فلسفتي صراع الحضارات ونهاية التاريخ، وهيمنة القطب الأميركي الوحيد وفرض إرادته على العالم واصطفاف سياسته في منطقتنا كلياً مع إسرائيل وتجاهله الحقوق الفلسطينية والعربية.

وحسناً فعل القادة العرب بقرارهم الاجتماع سنويا ودورياً تمهيداً لتبني نظام عربي إقليمي متطور قادر على جمع إمكانيات الأمة وتوظيفها لخدمة مصالح شعوبها.

لقد اتخذ القادة العرب في مؤتمرات القمة منذ قمة الإسكندرية 1964 وحتى قمة الجزائر في العام الماضي قرارات تفي بكل ما يحتاجه إصلاح الحال العربي حسب متطلبات زمانه دون أي التباس ولو تم تطبيق هذه القرارات لكان حالنا غير الحال الذي نحن فيه. ولكانت دولنا وأمتنا الآن شريكاً حقيقياً ونداً في مواجهة التحديات والأخطار.

وليست على ما هي عليه من الضعف والتهميش وما يشبه الاستسلام للسياسة العدوانية الإسرائيلية والعدوان العسكري الأميركي على العراق والتهديدات والضغوط الخارجية.

لقد كانت قرارات مؤتمرات القمة دائماً تلبي الطموح، لكن المشكلة أن القرارات الأساسية منها لم تكن تجد سبيلها للتطبيق، ذلك أن النظام العربي القائم والممثل حتى الآن بميثاق جامعة الدول العربية لم يعد قادراً على استيعاب شروط التطور العالمي والإقليمي وظروفه وتقديم الحلول التي تحفظ مصالح الأمة.

وقد واجه وضع مقررات القمم العربية موضع التنفيذ صعوبتين رئيسيتين، أولهما أن ميثاق الجامعة (وهو إطار النظام العربي القائم منذ ستين عاماً) ترك أمر تنفيذ القرارات اختيارياً لا يلزم أية دولة عضو في الجامعة بالتنفيذ ولا بأية وسيلة، سواء كانت هذه الدولة قد صوتت مع القرار أم ضده.

وتحولت القرارات بسبب ذلك إلى توصيات منذ اللحظات الأولى لإقرارها، ثم ما لبثت أن أصبحت أمنيات فقط تتكرر في كل مؤتمر قمة دون أن يهتم أحد بتطبيقها أو يخشى اللوم لعدم تنفيذها.

وثانيهما عدم اهتمام الدول الأعضاء بإعطاء مؤسسات جامعة الدول العربية حق متابعة التنفيذ في إطار عمل مؤسسي ملزم من شأنه أن يجعل من قرارات القمة تعلو على القرارات القطرية في كل بلد، وتتيح المجال لتحقيق التعاون بين الدول العربية في مختلف المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية .

وغيرها وتمتين اللحمة بين هذه الدول، وتحقيق فاعلية جدية للنظام العربي، والوصول إلى تضامن عربي جدي مبني على عمل مؤسسي وإلزام والتزام، شأن الأنظمة الإقليمية في كل مكان.

لو كان لدينا نظام عربي ملزم متطور سيادي لما غزا صدام حسين الكويت أو على الأقل لألزمه النظام العربي بالانسحاب، ولما بقيت مشكلة الصحراء الغربية قائمة منذ عشرات السنين تدمر بمنهجية العلاقات المغاربية.

ولما حصل في السودان ما حصل ولتعذر على الإسرائيليين استباحة الشعب الفلسطيني وأرضه وعلى الأميركيين احتلال العراق ولما استمرت الحرب الأهلية في لبنان سنوات طوال، وأخيراً لما استطاع أحد أن يستقوي علينا حتى أصبح نظامنا العربي (واستطراداً تضامننا العربي) هو الرجل المريض.

إنه لأمر مهم أن يجتمع الملوك والرؤساء العرب دورياً ويتداولوا في شؤون الأمة وينطلقوا من وحدة مصيرها ومصالحها، ولكن الأهم هو مدى فعالية هذه المؤتمرات إن لم يتحقق الالتزام بقراراتها.

ولأن المؤتمر في الخرطوم (وهو الثاني الذي يعقد فيها) فإن ذلك يذكرنا بلاءات مؤتمر الخرطوم الأول 1967 (لا تفاوض ولا صلح ولا اعتراف) إلا بعودة الحقوق العربية، والحال أنه تم التفاوض والصلح والاعتراف من قبل بعض الدول العربية.

ولم يستطع النظام العربي أن يمنع ذلك ولم تستطع مؤسسات الجامعة الاحتجاج على مخالفة قرارات قمة الخرطوم، والأمر نفسه تكرر في مختلف مجالات العمل العربي المشترك.

إن عالم اليوم هو أكثر تعقيداً مما كان عليه في نهايات القرن الماضي، حيث تسحقه العولمة بثقلها ويستبد به القطب الواحد، ولم تجد الدول الصغرى من حل سوى إقامة أنظمة (ومنظمات) إقليمية قادرة على تأهيلها للتصرف بندية تجاه الدول الكبرى وحماية مصالح أعضائها في خضم الهيمنة والتهديد والنظام العالمي الجديد (فكيف إذا كانت هذه الدول تنتمي لأمة واحدة).

لهذا ولغيره لم يعد أمامنا إلا أن يقر قادتنا في مؤتمرهم التاسع والثلاثين الذي يعقد في الخرطوم نظاماً عربياً جديداً شاملاً ملزماً قادراً على النهوض بالأمة وجمع إمكانياتها وحماية مصالح شعوبها، وإلا فقبض الريح.

كاتب سوري