لفرنسا أيضا همومها... وليس الشرق الأوسط فقط. ولو أن هموم فرنسا مقارنة بمصائب العراق وفلسطين وبعض دول أفريقيا وآسيا لا تمثل شيئا، إلا أن ذلك قد يؤدي في دولة كفرنسا إلى سقوط حكومة بأكملها مع رئيسها أو قد يكلفها مليارات الدولارات عدا ونقدا.

وكما أن الدسائس تحاك خلف الكواليس بين دهاة الحكم في بعض الدول التي مازال يطلق عليها دول غير ديمقراطية والتي يتمركز أكثرها في أفريقيا وبعض دول آسيا وخاصة الدول العربية.

فإن مثل تلك الدسائس موجودة هي أيضا في الدول المتقدمة ديمقراطيا. وما نسمعه عن وضع المواطن الأوروبي والغربي على رأس قائمة أولويات الحكومات المنتخبة، صحيح إلى حد ما، ولكن الهدف الأول للقوائم المرشحة للانتخابات هو الوصول إلى كرسي الحكم.

إن الشارع الفرنسي يغلي منذ شهر يناير الماضي. وبالتحديد في السادس عشر منه عندما أعلن رئيس الوزراء الفرنسي دومينيك دوفيلبان الذي يعتبر من بين أكثر رؤساء الوزراء تأنقا .

وتهذيبا ووسامة في تاريخ فرنسا وأوروبا، عندما أعلن في 16 من شهر يناير عن مشروع القانون الذي انقلب عليه والمسمى بـ (Contrat Première Embauche) أي عقد التوظيف الأولي والذي يمس فقط الشباب من دون الـ 26 من العمر.

وهذا القانون يعطي أرباب العمل صلاحية كاملة في تسريح أي موظف خلال السنتين الأوليين من توظيفه ودون إبداء الأسباب! مما يعني أن العامل ليس فقط سيقضى فترة 24 شهرا في وضع اختبار، وإنما نجاحه في هذا الاختبار لا يعني بالضرورة أنه في أمن من الطرد من دون أن يكون هناك سبب معقول.

وفي بلد كفرنسا رغم نسبة الحرية الفائقة والقوانين التي تحمي المواطن إلا أنه لما يؤسف له في بلد كهذا أنه طالما تعطلت الديمقراطية وحقوق المواطن أمام مصالح أرباب العمل. وحيث أن مشروع القانون الجديد الذي هو وليد قانون سابق (عقد التوظيف الجديد) صادر من طرف الحزب اليميني الحاكم،.

فإن الأحزاب اليسارية ومعها اتحاد النقابات العمالية (باستثناء بعضها) المحسوبة دائما على اليسار ـ الذي ما زال يتحسر على العصر الذهبي لأيام حكم فرانسوا ميتران وعمالقة اليسار آنذاك الذين انسحب منهم من انسحب وقضى منهم من قضي ـ لم تفوت الفرصة الذهبية لوضع العصا في عجلة اليمين على أمل أن يعود لهم مجدهم السابق.

ولم تعط الفرصة الكافية لهذا الرجل (الكلاس) ذو الملامح الأرستقراطية الفرنسية العريقة (خاصة وأن لقبه مسبوق بالحرفين: De ما يعني أنه ينتمي لأسرة أرستقراطية عريقة في تاريخ فرنسا وليس كجيسكار De ستان الذي يقال أنه دفع مبالغ باهظة لشراء هذين الحرفين!!) ـ لم يعط الفرصة ليدافع عن مشروعه...

حتى نزل ما يقارب من نصف مليون فرنسي في معظم مدن فرنسا الرئيسية إلى الشارع مطالبين بسحب هذا المشروع. غير أن الجمعية العامة التي عرض عليها وافقت عليه بعد مرور عشرة أيام فقط. ما يعني أن هناك مرحلة أخيرة متبقية لكي يصبح نافذا:

موافقة مجلس الشيوخ الذي مرر القانون ووافق عليه في الأول من مارس. في نفس اليوم توقف العمل والدراسة في 13 جامعة فرنسية في جميع أنحاء فرنسا بمساندة الأحزاب والتشكيلات اليسارية ومن بينها تلك التي تنتمي إلى أقصى اليسار. وفي اليوم التالي أضطر الرئيس شيراك بنفسه للتدخل .

وهو الذي لا تنقصه الهموم في الولاية الثانية له من حكمه ومنذ فشله في تمرير دستور المجموعة الأوروبية إلى أعمال الشغب التي طالت كل فرنسا قبل أشهر في الأحياء الفقيرة وقبلها تداعيات قضية إلغاء الحجاب الذي تم توسيعه ليشمل كل الرموز الدينية في المدارس الفرنسية، ليعلن وقد أنهكه المرض وتقدم العمر.

ومزاج الشعب الفرنسي المتقلب الذي عجز جميع رؤساء من قبله عن إرضائه، بأن «هذا القانون بمثابة أداة مهمة لفتح أبواب المؤسسات والمشاريع في فرنسا».

غير أنه وفي اليوم التالي نزل إلى الشوارع في كل مدن فرنسا أكثر من مليون فرنسي من مختلف النقابات المهنية وطلاب الجامعات وطلاب المدارس الثانوية والزعامات اليسارية بالطبع ليعيدونا إلى سنوات الـ 1968 من القرن الماضي.

في 9 مارس وافق البرلمان على القانون. ولم يبق بيد المعارضين سوى السلاح الأخير الذي ظل بأيديهم والذي طالما استخدم ضد أي قانون غير مرغوب فيه:

احتلال حرم جامعة السوربون والذي نجح فيه الطلاب صباحا من قبل عدة مئات من الطلبة والذين لم يستطع أحد إخراجهم منها إلا مع حلول الظلام .

وعلى يد رجال قوى الأمن الداخلي ومكافحة الشغب، تبعه بعد بضعة أيام احتلال الكلية الفرنسية. ليتطور الأمر سريعا ولكي يصل عدد المتظاهرين إلى أكثر من مليون ونصف نزلوا في شوارع فرنسا لنفس الأمر.

ولم يكن بدا هذه المرة من الاصطدام بين قوى الأمن والمتظاهرين. وكما ذكرنا فإن هناك من بين أعضاء نفس الحزب الحاكم من يرسم خططه المستقبلية بهدوء: نيكولا سركوزي، الذي لم يكد يخرج منهكا من أعمال الشغب السابقة ليأخذ قسطا من استراحة المحارب وهو يرى الشغب هذه المرة موجه ضد رئيسه الأول!

وليخرج إلى الملأ بلباس الحكيم الداهية الذي تداعب مخيلته صورته وهو يجلس على كرسي حكم فرنسا خلفا لجاك شيراك ليقترح تطبيق القانون لفترة تجريبية. فهل الديمقراطية مريضة؟ على حد قول أحد الصحف الأميركية؟ وهل فعلا بدأ نجم فرنسا بالأفول؟

لا أحد يعلم. ولكن الأحداث الأخيرة في فرنسا ومنذ الولاية الثانية لجاك شيراك تنذر بمواقف لا تحسد عليها فرنسا. فجيل الشباب الذي هو دون الخامسة والعشرين تربى في أحضان التناقضات العالمية .

واصطدام الطبقات الغنية والفقيرة على مستوى العالم تحت رايات العولمة التي قادتها الولايات المتحدة الأميركية واللهث خلف جمع المال واستخدام شتى الوسائل المشروعة وغير المشروعة لبلوغ تلك الغاية، وأحلام الضعفاء الذين تتزايد أعدادهم يوما بعد يوم .

والذين تتبخر أحلامهم سريعا أمام تقدم العمر دون تحقيق أدنى متطلبات الحياة في بلد يعتبر من أغنى دول العالم، إضافة إلى العنصرية التي يصعب على بعض المجتمعات (المتحضرة) انتزاعها من عقولها بقبول الآخر لونا ودينا وثقافة ولغة.

ولا ننسى أن هذا الجيل هو نفسه الذي ولد بعد الثمانينات والذي تربى أكثر على ثقافة الهمبورغر والمشروبات الغازية والطرب الأميركي وأسلوب الحياة الأميركية... إن الشغب الذي خلف قتلى وجرحى في المصادمات التي عصفت بمدن فرنسا قبل أشهر، عاد ليتكرر قبل أيام مرة أخرى ولكن بزخم أقل ، ولو اندلع مرة أخرى فسيكون صعب إيقافه..

أما لماذا فرنسا؟ فذلك لأن فرنسا تمثل رمز الحضارة الأوروبية بكل معانيها والتي لا يعلم أحد إلى أين يمكن أن تصل بأصحابها... فهل تنقلب الديمقراطية على أصحابها الطيبين؟

إنها بداية أمر ما، ولا يعرف أحد ما نهايته... إلا أن هناك أكثر من مليون ونصف متظاهر خرجوا في شوارع المدن الفرنسية قاطبة... وأغلقت الجامعات والمدارس.... واصطدم الشباب المتحمس برجال قوى الأمن الداخلي وتم اعتقال أكثر من 500 متظاهر... والبقية تأتي

جامعة الإمارات

dralaboodi@gmail.com