بالحسابات المستقبلية والاستراتيجية لم تخسر دبي عندما قررت بيع حق إدارة الموانئ الأميركية الستة المشتملة في صفقة استحواذها على شركة «بي أند أو» العكس هو الصحيح تماماً، وبالمقياس نفسه فإن الأميركيين سوف يكتشفون إن آجلاً أو عاجلاً، أنهم وبسبب الحمى العنصرية والصهيونية المعادية للعرب والمسلمين، التي نجحت في إجهاض الصفقة داخل الكونغرس، إن خسارتهم ستكون فادحة مستقبلاً.

ربما كانت الصدفة البحتة هي التي جعلت شركة موانئ دبي العالمية تكون سبباً في كشف حقيقة كذب مقولة العولمة والحرية الاقتصادية والشفافية إلى آخر المعزوفة التي تكررها الولايات المتحدة الأميركية ليل نهار على مسامع كل العالم.

قبل الصفقة رفعت واشنطن لواء المدافع الأول والأخير عن العولمة واندماج الاقتصادات العالمية وحرية رأس المال في التنقل والتملك في أي مكان بالعالم، ثم جاءت صفقة «بي أند أو» لتؤكد أن كل ما قالته أميركا محض هراء.

كثيرون كانوا يدركون أن الاسطوانة الأميركية مشروخة، ولم يصدقهم أحد وتعامل معهم الجميع باعتبارهم حاقدين على واشنطن وقيمها، وانهم مهووسون بنظرية المؤامرة، ومنغلقون على أنفسهم وحدودهم، ولا يفهمون الاقتصاد «النيوليبرالي»، لكن الحرب الشعواء التي شنها بعض أعضاء الكونغرس جعلت الجميع في بقية أنحاء العالم يستيقظ من الوهم الخادع الذي عاش فيه طويلاً.

الحقيقة الملفتة أو الغريب في الأمر أن كل الاسطوانات الأميركية أسقطها الأميركيون أنفسهم، ولم يكن لأحد من أعداء أميركا أي فضل في ذلك، اسطوانة حقوق الإنسان سقطت في غوانتانامو وأبوغريب، اسطوانة أسلحة العراق المدمرة وعلاقته بالقاعدة أسقطها محققون أميركيون، اسطوانة الحرية الاقتصادية والعولمة تكفل بها الكونغرس، اسطوانة حرية التعبير تكسرت على نصال تنصت الإدارة على شعبها ومواطنيها.

لن نخوض كثيراً في تفاصيل ما حدث، فهو أصبح معروفاً للجميع، ما يهمنا هنا والآن هو كيفية الاستفادة مما حدث مستقبلاً. وطالما أنه ثبت يقيناً كذب العولمة وحرية رأس المال في التنقل والاستثمار، فالحد الأدنى المطلوب عربياً هو الحذر الشديد مما قد يدبر مستقبلاً للمدخرات والاستثمارات العربية الموجودة في الخارج وخصوصاً في أميركا.

ما كان بعيداً عن الخيال في الماضي أصبح ينفذ الآن وعلناً ومن دون حياء، وبعد ما رأيناه من بلطجة داخل الكونغرس وخلط ما هو سياسي وعنصري بما هو تجاري واستثماري، فما الذي يمنع الكونغرس مستقبلاً من فرض تشريع ظالم يصادر بمقتضاه مدخرات رجل الأعمال العربي فلان أو استثمارات آخر بحجة أن أياً منهما ضبط ذات مرة وهو يصلي، ما يعني أنه يدعم «القاعدة»!! وما الذي يمنع هذا الكونغرس من مصادرة استثمارات دولة عربية، ولن تعدم واشنطن وقتها الحجج.

على من لا يصدق ذلك تأمل المحاولات والدعاوى القضائية من أفراد وشركات في الولايات المتحدة ضد رجال أعمال ومسؤولين سعوديين ومطالبتهم بتعويضات خيالية نظير دور مزعوم ـ ثبت كذبه ـ في أحداث سبتمبر 2001.

هناك أيضاً محاولة الآن في المحاكم الأميركية لتوريط السودان بحجة أن أسامة بن لادن كان موجوداً فيه، وبالتالي فهو مسؤول عن مهاجمة سفارتي أميركا في نيروبي ودار السلام عام 1998.

الحاوي الأميركي يملك الكثير من الألاعيب في جيبه السحري، وسنفاجأ كل يوم بملعوب جديد، لأن الخطة الجهنمية التي وضعها المحافظون الصهاينة الجدد لم تعد سرية، هم لا يريدون فقط تفتيت وتقسيم وبلقنة المنطقة لمصلحة إسرائيل، أو السيطرة فقط على حقول النفط، بل إن ألسنتهم تتلمظ على موائد النفط العربية التي يعتقدون أن العرب لا يستحقونها أو بعبارة أخرى لا يعرفون كيف يديرونها بطريقة صحيحة!

إذا كانت الصورة بمثل هذا الوضوح، فماذا نحن فاعلون؟

ليس من المنطقي أن نطالب الحكومات العربية الآن بإعلان مقاطعة اقتصادية للولايات المتحدة الأميركية رداً على ما فعله الكونغرس وما ينوي أن يفعله، والسبب ببساطة اننا نعرف «ظروف» غالبية الحكومات، و«الكلبشات» التي تقيد أيديها في مواجهة واشنطن،

لكن أضعف الإيمان أن نناشد هذه الحكومات بأن تكون رشيدة في تعاملها الاقتصادي مع الولايات المتحدة، أبسط القواعد في هذا الأمر ألا تضع كل «بيضها» الاقتصادي في سلة العم سام، فإذا كانت هذه الحكومات عاجزة عن استثمار الفوائض في بلدانها، فعلى الأقل عليها أن تفكر في «السلال» التي لا تزال بريئة وغير متوحشة أو متصهينة في أوروبا وآسيا.

أما بالنسبة لرجال الأعمال فلا عذر لهم، وبعدما شاهدوا حقيقة الحرية الاقتصادية الأميركية، فلم يعد لهم مبرر في استمرار وضع أموالهم واستثماراتهم في البنوك والشركات الأميركية.

يقولون دائماً إن رأس المال جبان.. إذا كان ذلك صحيحاً، فالآن هو الوقت الملائم تماماً ويفر ويخرج ويهرب هذا المال من الأقفاص الأميركية كي يعود إلى مكانه الطبيعي داخل وطنه أو التوجه إلى مكان آمن، وهذا أضعف الإيمان.

emadiraqi@yahoo.com