ترجح استطلاعات الرأي فوز حزب (كاديما) في الانتخابات الإسرائيلية التي ستجري بعد ثلاثة أيام وبعدد مقاعد يعادل عدد المقاعد التي سيفوز بها الحزبان الرئيسيان الآخران في إسرائيل وهما حزب العمل وحزب الليكود مجتمعين، ومهما تراجع نصيب حزب (كاديما) بعد الانتخابات فإنه سيبقى الحزب الأكثر حظاً في أن يحصل على مقاعد تؤهله لتشكيل الحكومة الإسرائيلية المقبلة.
لايتجاوز عمر حزب (كاديما) بضعة أشهر، وقد طرح نفسه على أنه حزب وسط بين العمل والليكود، ولملم شارون أعضاءه من منشقين عن الحزبين الرئيسيين وعن بعض الأحزاب الأخرى الصغيرة،
وتأسس مستفيداً من زعامة أرييل شارون وماضيه العسكري والسياسي قبل نقله إلى المستشفى وخروجه الفعلي من ساحة العمل السياسي، وسرعان ما أعطت استطلاعات الرأي للحزب الجديد أكثرية الأصوات قياساً إلى أي حزب آخر،
وتولى زعامته بعد شارون نائبه إيهود أولمرت الذي طرح برنامجاً لحل القضية الفلسطينية يحمل بين طياته أخطر ما طُرح من مشاريع إسرائيلية قابلة للتطبيق حتى الآن.
وخلاصة هذا البرنامج تحديد الحدود النهائية لإسرائيل قبل عام 2010 في إطار الحفاظ على الجدار العازل كأساس لهذه الحدود مع تعديلات طفيفة وضم المستوطنات الكبرى ومدينة القدس الشرقية
وأغوار نهر الأردن أي قضم ما يصل إلى حوالي 60% من أراضي الضفة الغربية وإقامة مناطق أمنية في ما يتبقى من الضفة الذي يتركها (للدولة الفلسطينية المفترضة) بعد تقسيمه إلى (كانتونات) بالطرق الالتفافية وبالمناطق الأمنية وغيرها.
برر إيهود أولمرت برنامجه لناخبيه ولغيرهم بأن هذه الحدود ستضمن أمن إسرائيل وتبقيها دولة يهودية بدون أخطار ديموغرافية محتملة، وتعزل التجمعات السكانية الفلسطينية في مناطق مسيطر عليها وتتفادى أي ضغوط تؤثر على يهودية الدولة في المستقبل،
في الوقت الذي (تقنع) فيه الدول الأخرى والرأي العام العالمي أن إسرائيل لم تعد دولة توسعية كما عهدها العالم وأن هذه الحدود عادلة، ويسقط هذا المشروع أي احتمال لقيام دولة فلسطينية قادرة على العيش أو مؤهلة له أو حتى على استيعاب عودة بعض اللاجئين إليها،
وتتحول إلى مناطق منعزلة بعضها عن البعض الآخر تابعة للنفوذ الإسرائيلي وتعيش تحت هيمنة إسرائيل السياسية والاقتصادية والأمنية إلى الأبد، ويرى أولمرت أن برنامجه هذا يرضي الداخل الإسرائيلي لأنه يضم المستوطنات إلى إسرائيل التي يبلغ عدد سكانها في الضفة الغربية والقدس حوالي نصف مليون مستوطن
ويستولي على الأراضي الخصبة في الضفة وعلى المناطق الغنية بالمياه الجوفية ويتجنب احتمالات الخلل الديموغرافي ويخدع في الوقت نفسه الرأي العام الدولي ويستقوي بالحلفاء الأميركيين والأوروبيين ويسكت الآخرين في اللجنة الرباعية الذين (لا يهشون ولا ينشون)،
ولعله يراهن على أن العرب والفلسطينيين أضعف من أن يوقفوا تنفيذ هذا المشروع. ويكون بذلك قد وسّع الدولة العبرية وأبقاها يهودية وجلب لها الاستقرار واستفاد من الظروف الإقليمية والدولية لأقصى درجات الاستفادة.
لنتذكر أن إسرائيل هي حتى الآن دولة بلا دستور تنظم حياتها ومؤسساتها قوانين أساسية، ودولة بلا حدود لأن جميع تياراتها السياسية وأحزابها تقريباً تطالب بأرض إسرائيل التاريخية من البحر إلى النهر،
ولذلك لم تحاول أية حكومة إسرائيلية منذ عام 1948 حتى الآن رسم حدود للدولة وتركت الأمر معلقاً وخاضعاً لإمكانيات التوسع والاحتلال. وتخشى في الوقت نفسه من الوضع الديموغرافي القائم فيها ومن تزايد نسبة العرب داخل حدود 1948 الذين قد يطاول عددهم عدد اليهود خلال نصف القرن الحالي،
فكيف إذا ضمت أراضي جديدة من الضفة وغزة يسكنها فلسطينيون، وبالتالي كانت تتناقض فكرة الأرض التاريخية مع الواقع القائم وتضطر الساسة الإسرائيليين لأخذ هذا الواقع باعتبارهم (والتنازل) عن أراض كثيفة السكان.
من الملاحظ أن مشروع أولمرت هذا هو خلاصة مشاريع إسرائيلية عديدة أخرى طرحت خلال نصف القرن الماضي: كمشروع آلون المتعلق بوادي الأردن والأغوار، ومشروع شارون والمتطرفين، ومشاريع حزب العمل،
كما هو نهاية الطريق لقطف ثمار العدوانية الإسرائيلية والتوسع الإسرائيلي والتراجع العربي خلال الأربعين عاماً الماضية، مستفيداً من القرارات الدولية والنظام العالمي الجديد والقطب الواحد الذي يحكم العالم والتحالف الاستراتيجي غير المحدود مع الولايات المتحدة،
والمشروع في النهاية من أخطر المشاريع التي طرحت، والأهم من هذا كله قابليته للتطبيق في مناخ من الضعف العربي والتأييد الأميركي لكل ما يأتي من إسرائيل،
وإن لم يكن مشروع إيهود أولمرت هو المشروع الأسوأ الذي طرحته الحكومات الإسرائيلية من حيث مضمونه فإنه الأكثر قابلية للتنفيذ بينها جميعاً في إطار الظروف السياسية القائمة في منطقتنا وفي العالم.
بعد عدوان يونيو 1967 طرح إيغال آلون وكان وزيراً لخارجية إسرائيل مشروعاً سمي باسمه خلاصته استيطان أراض في نهر الأردن وفرض شروط أمنية على ما تبقى منها، وجعل منطقة نهر الأردن بكاملها (حتى أريحا) حزاماً يحمي إسرائيل سواء بكثافة مستوطنيه أو بوضع رقابة عسكرية وقوات فيه،
لكن الظروف العربية والدولية في ذلك الوقت لم تكن لتسمح بتحقيق مثل هذا المشروع، فسكتت الحكومات الإسرائيلية عن طرحه إلا أنها نفذت سياسة الاستيطان والسياسة الأمنية في وادي الأردن
وفي الثمانينات من القرن الماضي طرح أرييل شارون مشروعه الشهير الذي يقرر أن الأردن هو البلد البديل أو الدولة الفلسطينية البديلة، لكن الظروف العربية والدولية لم تسمح أيضاً بوضع هذا المشروع قيد التنفيذ،
ومازالت الأحزاب المتطرفة الإسرائيلية تنادي بتهجير الفلسطينيين (الترانسفير) خارج فلسطين لضم أراضي الضفة خالية من سكانها، وقد صرح أحد كبار ضباط المخابرات الإسرائيلية السابقين قبل شهر بأن الملك عبد الله الثاني سيكون آخر ملوك الأردن بما يعني تحويل الأردن إلى دولة فلسطينية وتهجير الفلسطينيين إليها،
ويبدو أيضاً أن مثل هذه المشاريع غير قابلة للتنفيذ حتى الآن. ولذلك يبقى مشروع إيهود أولمرت المشروع الممكن التحقيق إذا استمرت الظروف كما هي عليه، وربما يكون مشروع أولمرت هذه المرة بداية تصفية القضية الفلسطينية، في الوقت الذي مازال فيه الفلسطينيون يتناقشون حول قضايا غير جدية والعرب غارقون في همومهم القطرية.
كاتب سوري