فكرت اليوم ألا أكتب لأحد، فكرت أن أكتب لنفسي، فليس ضرورياً أن يكتب الكاتب كل مطلع نهار عن قضية تشبه السكين في قاع الجرح، وليس مطلوباً منه كما القدر أن يكون شمساً معلقة في كبد السماء بلا نهاية وبمهمة وحيدة مقدسة، أحياناً يحق للكاتب أن يكون في أقصى مكان على الكرة الأرضية، يراقب العالم من ثقب الباب، ويضحك كطفل وحيد في المنزل، قبل أن تفاجئه أمه بأوامر ومطالب لا تخرج عن فعل كن ولا تكن!
اليوم سأحكي لكم عما فعلته بالأمس، نهار الجمعة الذي هو يوم إجازة مقدس عندنا نحن المسلمين، فمن منا عاش الجمعة بقداستها البسيطة الشفيفة، الجمعة كما كنا نراهم يحتفون بها قديماً كعيد صغير؟
أظنني أسمع احتجاج بعضكم على الأقل، يقول إن ممارسة الزمن عبر شعائر بيضاء مقدسة ما عاد مطلوباً أو مقدوراً عليه، والحجة عندكم أن الزمن ما عاد هو الزمن، والناس ما عادت كما كانت، نحن لا نعيش في ثياب أجدادنا، ولا في زمنهم، زمن الاحتفاء بالجمعة كيوم مقدس، يشتهي فيه الإنسان مصافحة أهله بود، وزيارة أحبابه بشوق ورحمة، وتقصي أسباب الرضا بكل الوسائل بدعوة الوالدة، وبصدقة تطهر النفس وتطفئ غضب السماء.
البارحة، صحوت على رغبة في الحديث كثيراً وطويلاً مع والدتي، حول كل شيء وأي شيء. لا هواتف ولا مكالمات مع أحد، رغبة في التمدد عبر دقائق الوقت بهدوء معها، وتقاسم كل شيء، قهوة الصباح، الإفطار، كوب الشاي، سقيا الحديقة، والثرثرة حول أحوال الشغالات، ولوازم المنزل، والمزارع الذي لم يأت منذ يومين، وإضرابات العمال التي صارت تتزايد يوماً بعد يوم، وحول آخر الشائعات في البلد، وحول رأيها في حقوق الإنسان!
البارحة، قررت أن أثبت لأحد المثقفين، والذي نسيت اسمه، أن الشعر ما زال حاضراً في الذاكرة وبأنه لا يضمحل ولا يتراجع الاهتمام به ـ كما قال ـ فاخترت محمود درويش ليكون شاعري طيلة النهار عبر ديوانه «كزهر اللوز أو أبعد»، وحين أنهيت قراءته راودتني فكرة مجنونة، ربما راودت كثيرين، مفادها أن الشعر سهل كما هو جميل،
الجمل تنساب بسلاسة عبر القصيدة فما المشكلة؟ لماذا لا يكتب الجميع شعراً؟ هل يخلق الشاعر ثم تأتي قصيدته؟ أم تكون القصيدة هي البدء ولأجلها يخلق الشاعر؟ فاقتنعت بالثانية لأسباب كثيرة!
يقول محمود درويش في إحدى قصائد الديوان «فكّر بغيرك»:
وأنت تعد فطورك، فكّر بغيرك، لا تنسَ قوت الحمام
وأنت تخوض حروبك، فكّر بغيرك، لا تنسَ من يطلبون السلام
وأنت تسدد فاتورة الماء، فكّر بغيرك، من يرضعون الغمام
وأنت تنام وتحصي الكواكب، فكّر بغيرك، ثمة من لم يجد حيزاً للمنام
وأنت تحرر نفسك بالاستعارات، فكّر بغيرك، من فقدوا حقهم في الكلام
لم أفكر بغيري كثيراً، لكنني فكرت بالشعراء!