من المستجدات المهمة على المستويين الإقليمي والدولي، موافقة الولايات المتحدة وإيران، على الدخول في محادثات حول العراق، كما أن من الملفت للنظر، ان الولايات المتحدة، قد تأخرت حتى الآن، في العمل على الخروج من الأزمة العراقية، عن طريق إجراء محادثات حولها، مع أطراف إقليمية،

وخاصة إيران، التي لم يعد ممكناً إخفاء دورها المهم، في الساحة السياسية العراقية. ويبدو أن الولايات المتحدة، تخطط لمسارين في تعاملها مع إيران، قد يعمل الأول، في حالة نجاحه، على استبعاد الآخر. المسار الأول هو احتواء إيران، عبر السيطرة على منافذ القوة فيها، ومنع امتداد نفوذها إقليمياً، وإعاقة طموحاتها النووية، والمسار الآخر هو استخدام القوة، في حالة الفشل في المسار الأول.

فمن المعروف أن العلاقات الأميركية الإيرانية، قد تردّت، بشكل خطير، بعد سقوط نظام الشاه، عام 1979، عندما اجتاح الحرس الثوري الإيراني، السفارة الأميركية في طهران، وأخذ جميع الموجودين فيها، من الأميركيين، وعددهم اثنان وخمسون رهينة، احتجزوا لمدة تزيد على السنة.

ومنذ ذلك الحدث، وبالرغم من محاولات التيار الإصلاحي في إيران، تلطيف الأجواء مع الولايات المتحدة، إلا أن التيار المتشدد، الذي يكسب رضا الشارع الإيراني، بالخطاب المتطرف المعادي لأميركا، غالباً ما يعمل على تحجيم دور الإصلاحيين، ويحبط مشاريعهم.

إن الدعوة لهذه المحادثات، هي اعتراف واضح وصريح، بالتدخل الإيراني في الشأن العراقي، هذا التدخل الذي طالما أنكرته إيران، وطالما ابتعدت الأحزاب الدينية العراقية، عن الخوض في الحديث عنه.

وقبول الولايات المتحدة لها، هو إقرار من قبلها، بأنها وبعد مرور ثلاث سنوات، على احتلالها للعراق، غير قادرة، على منع تدهور أوضاعه، نحو حرب أهلية، قد تجرّ المنطقة بأسرها، إلى حالة عدم الاستقرار، لفترة زمنية طويلة.

ومما هو جدير بالملاحظة، بأن هذه المحادثات، سوف تجرى في بغداد، إلا أنها ستكون ثنائية، لا يشارك فيها طرف عراقي، سواء كان بصفة رسمية أم لا. لا شك أن شيئاً ما، سيتمخّض عن هذه المحادثات، فسرعة استجابة الطرفين للدعوة، التي وجهت من قبل المجلس الأعلى للثورة الإسلامية،

على لسان رئيسه، عبدالعزيز الحكيم، تعبر عن رغبتهما، لفك بعض العُقد، في علاقاتهما. ورغم إعلان الولايات المتحدة، بأن هذه المحادثات، لن تتناول ملف إيران النووي، إلا أن محادثات ثنائية كهذه، من شأنها أن تلطف الأجواء عموماً، بين الطرفين، وقد تفتح مساراً جديداً لهذا الملف.

قد تسهم هذه المحادثات، في تراجع العنف الدموي، الذي يعصف بالعراق، بعض الشيء، وقد تسهم في وقف التدهور، نحو نقطة اللاعودة في صراعاته الداخلية، إلا أنها لن تكون في صالح العراق، على الأمد البعيد، ما لم تشترك فيها أطراف عراقية،

لاسيما وأنها تضفي بعض الشرعية، على التدخلات الإيرانية في الشأن العراقي. هنالك بعض الأمور الجديرة بالتمعّن، أبرزها التوجسات حول أجندة هذه المحادثات، وحول التبعات التي تتمخض عنها، فهي مصدر قلق شديد، لأطراف عربية وعراقية عديدة، لسببين هما:

1ـ ترى بعض الأطراف العربية، في احتمالية ذوبان بعض الجليد، في العلاقات الإيرانية الأميركية، إضعافاً لدورها في المنطقة، وربما تهديداً لمصالحها، على الأمد البعيد.

2ـ ترى بعض الأطراف العراقية، بأن هذه المحادثات، سوف تتمخض عن نتائج ليست في صالحها، فطلب إجرائها، لا يمكن عزله عن الصراعات بين الأطراف السياسية العراقية، وبشكل خاص، داخل كتلة الائتلاف العراقي الموحد. فالخلافات داخل هذه الكتلة، التي ظهرت في التنافس الشديد، بين التيار الصدري، الذي تحالف مع جناحي حزب الدعوة،

وبين المجلس الأعلى للثورة الإسلامية، حول المرشح لرئاسة الوزراء، قد تعمقت بالدعوة إلى هذه المحادثات، إذ كان التيار الصدري وحزب الدعوة، من أوائل من ندد بها، متوجسين من نتائج، في غير صالحهما، قد تتمخض عنها، تعيد خلط الأوراق، وتعيد رسم خريطة التحالفات السياسية.

إلا أن للولايات المتحدة، أهدافاً أخرى بالتأكيد، تكمن وراء رغبتها، في تلطيف الأجواء مع طهران، تتجاوز الأزمة الأمنية في العراق، فهي ترى، على المستوى العالمي:

1ـ أن سياستها، في احتواء الصين، القوة العظمى الصاعدة، وأكبر مستورد للنفط في العالم، تتطلب وجود صلات مؤثرة على إيران، المُصدّر الأول لحاجيات الصين من النفط.

2ـ إن استمرار سياستها، في استبعاد أي حوار مباشر مع إيران، قد يعزز العلاقات الاستراتيجية، بين إيران وروسيا والصين، ويفرض معادلة اتزان جديدة، في وسط آسيا، وفي الشرق الأوسط، وذلك لأهمية إيران، في هاتين المنطقتين، سياسياً واقتصادياً وتاريخياً.

إن إيران، في أحسن الحالات، لا تمتلك إلا بعض مفاتيح الاستقرار في العراق، وليس كلها، أما بقية المفاتيح، فأغلبها بأيدي قوات الاحتلال الأميركية، وأقلها بيد الأطراف العراقية، المغلوب على أمرها، والتي عجزت حتى الآن، عن تقديم برنامج سياسي وطني، يجمع عليه العراقيون، ويحفزهم على التعاون، مع مؤسسات الدولة، لوأد بؤر الاحتقان، وإعادة الاستقرار إلى البلد.

كاتب عراقي

majamal@emirates.net.ae