كغيرنا من الشعوب والمجتمعات، نذهب إلى الأمام في الزمن والمدينة، بينما نفقد من رصيد ثوابتنا الأخلاقية الشيء الكثير. إنها ضريبة التطور على ما يبدو، أو هي الضريبة التي اخترنا أن ندفعها عن رضا، كي نحصل على المزيد من الأشياء المادية في حياة اليوم، التي تلتهم كل شيء ثم تقول: هل من مزيد؟

كغيرنا من الشعوب والمجتمعات، نكبر، تكبر مدننا، وشوارعنا، وأعدادنا، تزيد سياراتنا، ووسائل اتصالاتنا، نملك أكبر البيوت، وأفخم السيارات، وأحدث تكنولوجيا الاتصالات والمواصلات، وأضخم الأرصدة البنكية، وأعلى معدلات النمو والتنمية، لكننا نكتشف في آخر النهار أو آخر الأسبوع أو في آخر أيام السنة.

أننا ما عدنا نستقبل أحداً في بيوتنا الفاخرة، وما عدنا نتواصل مع أهلنا وأحبابنا إلا في المناسبات أو عندما نريد منهم شيئاً، وما عدنا نشعر لا بالرضا ولا بالسعادة، لكننا مضطرون لأن نرسم ابتسامة الموناليزا الغامضة على وجوهنا ونمضي!

كغيرنا من الشعوب والمجتمعات، نقيم مهرجانات للطفولة ننفق عليها الملايين، ومهرجانات للأسرة نسخر لها أضخم الإمكانيات، ومؤتمرات لمهاجمة الفضائيات الهابطة، واجتماعات دولية للدفاع عن حقوق المرأة والطفل وعن البيئة وقوانين المرور.

و.. ثم نكتشف أننا كنا نعقد كل تلك المؤتمرات والاجتماعات ونصرف عليها كل تلك الملايين لنضخ في الفضاء مزيداً من الكلام والأحاديث، نبرئ بها أنفسنا من تهمة اللا مبالاة، ونرفع عن أنفسنا العتب العالمي، وبأننا نحب الكلام أكثر من الطعام، وأن ما قاله الأديب السعودي عبدالله القصيمي عن أننا ظاهرة صوتية، قول صائب تماماً!

وكغيرنا من الشعوب والمجتمعات، لنا هويتنا وعاداتنا وتقاليدنا وثوابتنا القيمية في كل مناحي الحياة، لنا نظرتنا الخاصة إلى كل تفاصيل الكون وعلاقات البشر وحركة الحياة ودورة الحضارة وحقوق الإنسان، لكننا بخلاف غيرنا من الشعوب والمجتمعات لا نفعل شيئاً جاداً وكبيراً من أجل تثبيت لافتة أفكارنا وشخصيتنا بين كل اللافتات المنصوبة لأمم الأرض في كل مكان.

ولذلك فنحن نأخذ من كل شيء، ونترك ما عندنا، نستظل بلافتات الآخرين ونلقي بلافتتنا جانباً، ثم ننتبه فنسارع إلى عقد مؤتمر تحت عنوان «الهوية الوطنية وآليات الحفاظ عليها»!

لماذا نفرط في كل شيء بسهولة، وكأن لا شيء مهماً وذا قيمة عندنا يوازي الجري في حلقة الماديات المفرغة؟

لماذا تفرط الأسرة في تربية الأبناء ملقية إياهم في أحضان الشغالات الأجنبيات وبين براثن الفضائيات البائسة، لماذا نفرط في علاقاتنا الاجتماعية بسهولة، لماذا نتنازل عن لغتنا الجميلة في الحديث والزي والعادات والروح الشفافة التي بداخلنا؟ لماذا نحن مصابون بمرض تقليد الآخر؟ هل لأن المهزوم مغرم بتقليد المنتصر دائماً، كما قال ابن خلدون؟

sultan@dmi.gov.ae